.
.
.
.

الحد الأدنى للأجور يرفع التوظيف

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تحاول دول العالم نشر العدالة في مجتمعاتها، وتتبنى في سبيل ذلك طيفا واسعا من السياسات، وتسعى إلى تفعيلها وتحقيق الأهداف المرجوة منها. وتأتي العدالة الاقتصادية على رأس أولويات معظم المجتمعات وتستحوذ على جل اهتماماتها. تستهدف الدول العدالة الاقتصادية من خلال سياسات وأدوات متفرقة تخفض الفروقات الاقتصادية بين الشرائح المجتمعية والمناطقية وبين ملاك رأس المال والعمالة التي تمثل معظم سكان الدول. يأتي فرض حد أدنى للأجور كإحدى أدوات رفع عدالة توزيع الدخل ومحاربة الفقر. وفعل عدد كبير من الدول حدودا دنيا للأجور، وذلك لرفع دخول الشرائح العاملة الأقل دخلا والشرائح الاجتماعية الأكثر احتياجا. ويتطلب تحديد الحدود الدنيا من الأجور الموازنة بين مصالح العمالة والمنشآت والنشاط الاقتصادي. وتسري مخاوف من تسبب الرفع المبالغ فيه بالحد الأدنى للأجور من تأثيرات سلبية في التوظيف والاقتصاد تقود إلى البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي. في المقابل، فإن خفض الحد الأدنى للأجور إلى مستويات متدنية لا يعود بالنفع على العمالة ولا يوفر حدا أدنى من الرفاهية للأسر الفقيرة.
تتركز معارضة الحد الأدنى للأجور في دفعه لتكاليف العمالة والتسبب لاحقا في خفض التوظيف لدى المؤسسات والشركات الهادفة للربح، وبالتالي رفع معدلات البطالة على المستوى القومي. وأظهرت نتائج بعض الدراسات القديمة إمكانية رفع الحد الأدنى للأجور لمعدلات البطالة بين بعض شرائح العمالة. في المقابل، رجح عديد من الدراسات الحديثة تلاشي التأثيرات السلبية للحد الأدنى للأجور وزياداته على معدلات البطالة والتوظيف والنشاط الاقتصادي.
أظهرت دراسة لزيادة الحد الأدنى للأجور - عمرها نحو 28 عاما قام بها أحد الحاصلين على جائزة نوبل لهذا العام - نتائج مخالفة لما كان يعتقد في السابق حول تأثيرات الحد الأدنى للأجور. ومن أبرز ما رجحت نتائج الدراسة عدم تسبب زيادة الحد الأدنى للأجور في رفع معدلات البطالة. انحسرت الدراسة في صناعة الوجبات السريعة التي يعمل معظم موظفيها مقابل الحد الأدنى للأجور. ووجدت الدراسة أن التوظيف لم يتراجع في المناطق التي ارتفع فيها الحد الأدنى للأجور مقارنة بالمناطق المجاورة التي لم يرتفع فيها، بل إنه تحسن قليلا في بعض المناطق التي غطتها الدراسة وارتفعت فيها الأجور. وتدعم نتائج الدراسة فرضية إمكانية تسبب الحد الأدنى للأجور في رفع الأجور والتوظيف في الوقت نفسه. وقد يكون هذا عائدا إلى زيادة إقبال العمالة بعد رفع الحد الأدنى للأجور على المؤسسات التي كانت تدفع أجورا منخفضة.
سيترتب على زيادة الحد الأدنى للأجور رفع تكاليف العمالة، التي تمثل جزءا من تكاليف الإنتاج يزداد مع ارتفاع كثافة استخدام العمالة. وجدت الدراسة أن زيادة الحد الأدنى للأجور تزامنت مع زيادة أسعار منتجات الصناعة المستهدفة، وبنسب تزيد قليلا على حصة زيادة التكاليف. وتعود زيادة أسعار المنتجات إلى إجراءات التكيف التي تمارسها المؤسسات الإنتاجية لمواجهة رفع الأجور التي تشمل تعديلات تسعير خليط المنتجات، أو تحسين وتعديل نوعية الخدمات والمنتجات. أما بالنسبة لنشاط الصناعات المستهدفة التي تتركز فيها العمالة العاملة بالحد الأدنى للأجور فلم ينخفض، حيث لم يشهد عدد مؤسساتها العاملة تراجعا أو انخفاضا في نموها يفوق المناطق التي لم يرتفع بها الحد الأدنى للأجور. وهذه نتيجة مشجعة لداعمي الحد الأدنى للأجور، حيث ترجح عدم تسبب زياداته في تراجع النشاط الاقتصادي أو معدلات نموه.
نتائج الدراسات الحديثة تدعم إلى حد كبير تفعيل تشريعات الحد الأدنى للأجور وزياداته المعقولة، خصوصا في الصناعات متدنية الأجور. ويتصف عديد من الصناعات التي توظف عمالة محدودة المهارة بميل معظم مؤسساتها لخفض الأجور إلى مستويات متدنية. وهذا يتطلب تدخل الجهات الرسمية لفرض حدود دنيا للأجور ورفعها حسب الضرورة، التي تتم عادة بعد إجراء ومناقشة نتائج دراسات دقيقة لمعدلات الأجور وآثار زيادتها في التوظيف والنشاط الاقتصادي في الأماكن والقطاعات المستهدفة. فتحديد مستويات متدنية للحد الأدنى للأجور يقل كثيرا عن إنتاجية العمالة لن يغير كثيرا في الأحوال المعيشية للعمالة المستهدفة وأسرها، كما أن المبالغة في تحديد الحد الأدنى للأجور قد تقود إلى نتائج سلبية على الصناعات المستهدفة والنشاط الاقتصادي بوجه عام. لهذا لابد من وضع تقديرات مناسبة لإنتاجية العمالة في القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرا بالحد الأدنى للأجور، ثم تحديد مستويات دنيا للأجور العادلة لهذه الإنتاجية. ومن الأمور المشجعة التي خرجت بها الدراسات الحديثة حول الحد الأدنى للأجور وزياداته هو ترجيح إمكانية مساهمته في رفع التوظيف، وتشجيع مزيد من العمالة على الانخراط في أنشطة بعض الصناعات. ويعود هذا إلى تحسن إنتاجية ونوعية العمالة مع رفع الأجور، وكذلك لخفض تكاليف استقطاب العمالة. من جهة أخرى، قد يتخذ بعض المؤسسات الإنتاجية العاملة في الصناعات التي توظف عمالة محدودة المهارات قرارات خاطئة في معدلات الأجور، تقود إلى خفض نوعية وإقبال العمالة عليها؛ ما يحد من أنشطتها وأرباحها. عموما، يمكن الاستنتاج بأن تأثيرات رفع الحدود الدنيا للأجور بنسب معقولة لا تقتصر على محاربة الفقر ورفع رفاهية العمالة، بل إنها قد تعزز إنتاجية وأنشطة بعض الصناعات والمؤسسات وأرباحها.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.