.
.
.
.

شيطنة النفط وهشاشة المعايير

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

العالم لا يمر بأحسن حالاته وأحواله في هذه المرحلة، فبعد أزمة كورونا "كوفيد - 19" التي نحرت الاقتصاد العالمي من الوريد إلى الوريد، وألقت بظلالها على جل القطاعات والأنشطة، وأثرت في الجميع أفرادا ومؤسسات بل دول.
بعد أزمة كورونا تواجه بعض دول العالم أزمة في الطاقة، وقد يمتد أثرها إلى العالم بأسره في المديين القريب والمتوسط إذا لم يتم التعاطي مع ملف الطاقة بحكمة ومسؤولية والتزام. هناك اختلاف في اعتقادي بين أزمتي كورونا وأزمة الطاقة الحالية، حيث إن الأولى تطلبت وقتا طويلا لتقييمها ومعرفة آثارها واكتشاف علاجها، أما أزمة الطاقة الحالية فغريب أمرها بل تستعدي الوقوف عندها والبكاء على أطلالها.
في رأيي أن مسببات هذه الأزمة وآثارها بل علاجها ليس بالسر، وليست وصفة سحرية لا يمكن الوصول إليها! العجيب في الأمر أنه وبالرغم من معرفة الأزمة وأسبابها وعلاجها، إلا أن بعض الجهات وبيوت الخبرة العالمية المختصة في مجال الطاقة ما زالت تعيش حالة من الوهم والتخبط والسعي الحثيث لتهميش الوقود الأحفوري وتقويض الصناعات المرتبطة به، والاستثمارات فيه.
العالم كان وما زال وسيبقى متعطشا كما ذكرت سابقا لجميع مصادر الطاقة دون استثناء، وإن عنوان المرحلة سيكون رفع كفاءة الإنتاج والاستهلاك، وليس إقصاء أو تهميش بعض هذه المصادر. المعايير في رأيي التي يتبناها منظرو شيطنة الوقود الأحفوري هي معايير هشة، وتعاطيهم مع هذه القضية تعاط متناقض بل مثير للسخرية والتندر.
عندما يتعلق الموضوع بمنتج حيوي واستراتيجي مثل الطاقة بأنواعها المختلفة، فمن المسؤولية الدولية أن يتم التجرد من المصالح الشخصية والأجندات السياسية قدر المستطاع، وأن يتم التعامل مع أمن الطاقة العالمي بمسؤولية والتزام. ما يحدث حاليا في أوروبا من شح في الغاز وارتفاع أسعاره إلى أرقام كبيرة تصل إلى نحو 1000 في المائة خلال هذا العام وأن كثيرا من المصانع تأثرت بذلك! ما يحدث في أوروبا في اعتقادي أنها رسالة واضحة أن العالم لا يتحمل قرارات غير مدروسة حول الطاقة ومصادرها، فهل يستفيق البعض من سباتهم ويتركون الوهم الذي يعيشونه؟ هل يستقيم أن من ينادي بإحلال مصادر الطاقة المتجددة بدلا من الوقود الأحفوري، أن يطالب روسيا بضخ مزيد من الغاز لتجاوز أزمة الطاقة؟ وهل مطالبة "أوبك" برفع إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد لموازنة الأسعار من المنبر ذاته الذي كان يطلب منها خفض الإنتاج لرفع الأسعار بعدما هوت إلى أرقام تاريخية يخضع إلى معايير واضحة وأهداف جلية؟ نهج السعودية وبكل فخر في اعتقادي نموذج يجب الاحتذاء به، حيث تتعامل مع هذا الملف بحصافة الخبير مراعية مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء دون الإضرار بأحدهما.
كما أنها تعي يقينا دورها القيادي العالمي في هذا القطاع وتستشرف مستقبله بموضوعية، فقد أطلقت مشاريع عملاقة في الطاقة المتجددة مؤمنة بأهميتها الاستراتيجية كرافد من روافد الطاقة ومزيجها دون التقليل من دور الوقود الأحفوري وعلى رأسه النفط ومستقبله.
كما ذكرت أن مزيج الطاقة هو المستقبل، وعليه يجب العمل على رفع كفاءة واستهلاك جميع مصادر الطاقة دون استثناء بدلا من إضاعة الوقت والجهد والموارد في شيطنة الوقود الأحفوري الذي سيبقى متربعا على عرش مصادر الطاقة العالمية لأمد بعيد.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.