.
.
.
.

آفاق الطلب قوية على الرغم من ارتفاع الأسعار

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

عندما انخفض استهلاك النفط مع انتشار جائحة كورونا، كانت هناك مزاعم بأن العالم قد تجاوز ذروة الطلب على النفط. لكن انتعاش الطلب دحض هذه الادعاءات. مع استمرار انتعاش الطلب العالمي على النفط، قد لا تكون عتبة 80 دولارا للبرميل هي الحد الأقصى لأسعار النفط في الأشهر المقبلة. ولوضع الأسعار المرتفعة الحالية في منظورها الصحيح، يقول الخبراء إن أسعار الغاز يتم تداولها الآن بما يعادل أكثر من 200 دولار لبرميل النفط، ما يجعل النفط يبدو رخيصا مقارنة به على الرغم من ارتفاعه.
برغم المخاوف المستمرة بشأن متغير دلتا في العديد من الدول، تستمر حركة التنقل في الاقتصادات المتقدمة في تضييق فجوة الطلب مع مستويات 2019 وسط ارتفاع معدلات التطعيم والانتعاش الاقتصادي القوي. على الرغم من أن الاقتصادات النامية في جنوب وجنوب شرق آسيا لا تزال تفرض عمليات إغلاق محلية متقطعة، إلا أن الطلب على النفط على مستوى العالم يستمر في النمو ومن المقرر أن يصل إلى مستويات ما قبل الوباء في غضون بضعة أشهر. لذلك، لم يكن 2019 هو عام ذروة الطلب على النفط، كما توقع بعض المحللين في النصف الأول من 2020 عندما أغلقت الجائحة معظم دول العالم. إضافة إلى ذلك، يعمل الارتفاع القياسي الحالي في أسعار الغاز والطاقة على تعزيز الارتفاع الكلي في سوق الطاقة ومن المقرر أن يؤدي إلى زيادة الطلب على منتجات النفط من خلال التحول من الغاز إلى النفط، خاصة في أجزاء من آسيا.
في الأسبوع الماضي، اخترق خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي حاجز 80 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ 2014 وتم تداوله فوق 82 دولارا للبرميل، حيث يتدافع العالم للحصول على إمدادات الطاقة لفصل الشتاء، في حين اقترب خام برنت من 85 دولارا للبرميل. إن ارتفاع الأسعار ليس فقط نتيجة أزمة إمدادات الطاقة في أوروبا وآسيا، بل إن الطلب العالمي على النفط يواصل التعافي بوتيرة صحية. على الرغم من أن الوباء لا يزال عاملا محاضرا في سوق النفط العالمي، إلا أن تأثيره في الاقتصاد العالمي وفي الطلب على الطاقة يتلاشى. يتوقع العديد من المحللين أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى مستويات ما قبل الجائحة بحلول الربع الثالث من 2022، لكن وتيرة التعافي عبر المنتجات وعبر الدول لا تزال غير متساوية. حيث تشهد الدول التي ترتفع فيها معدلات التطعيم نسبيا، وتنخفض الوفيات انخفاضا حادا، حالات تعاف أقوى بشكل عام من الدول منخفضة الدخل التي تواجه صعوبات أكبر في حماية سكانها.
وفقا لوود ماكنزي، من المتوقع أن يصل الطلب العالمي على النفط في هذا الربع إلى نحو 99 مليون برميل يوميا، ارتفاعا من 97 مليون برميل يوميا في الربع الثالث، عندما ارتفع الطلب بنسبة 6 في المائة مقارنة بالربع الثالث من 2020. أدى نمو الطلب هذا، إلى جانب قرار مجموعة "أوبك +" بالالتزام بما تم الاتفاق عليه سابقا لزيادة المعروض، إلى ارتفاع الأسعار إلى المستويات آنفة الذكر.
في الولايات المتحدة، يحتل الطلب على النفط موقع الصدارة في الانتعاش، حيث اقترب الطلب على المنتجات البترولية خلال الصيف من أعلى مستوياته على الإطلاق عند نحو 21 مليون برميل يوميا، وفقا، لوود ماكنزي. تظهر بيانات التنقل أنه على الرغم من تسبب متغير دلتا في زيادة عدد الإصابات في الولايات المتحدة، استمر الناس في التنقل. إلى جانب الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان وجميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريبا، وكذلك معظم أمريكا اللاتينية، الشرق الأوسط وروسيا، لم يعودوا إلى عمليات الإغلاق واستمر الطلب في التعافي. ولكن في معظم أنحاء آسيا، لا تزال الدول تفرض عمليات إغلاق متقطعة لمواجهة حالات الارتفاع في الاصابات، وتعافي الطلب لديها أكثر تفاوتا. ومع ذلك، فمن المرجح أن يخفف طرح اللقاحات من الضغط على عمليات الإغلاق المتقطع في هذه المنطقة. من المتوقع أن تلحق الدول ذات التعافي البطيء في الطلب، مقارنة بالولايات المتحدة، بباقي الدول. إن الانتعاش في الدول ذات الدخل المرتفع ذات معدلات التطعيم المرتفعة يعطي مؤشرا على ما يمكن أن تتطلع إليه الدول الأخرى.
مع استمرار تعافي الطلب، يفرض جانب العرض أيضا ضغوطا تصاعدية على أسعار النفط بعد أن قررت مجموعة "أوبك +" في بداية هذا الشهر الإبقاء على خطط تخفيف التخفيضات دون تغيير، على الرغم من الدعوات لمزيد من الإمدادات من الدول المستهلكة، بما في ذلك الولايات المتحدة. ستزيد "أوبك +" الإمدادات في تشرين الثاني (نوفمبر) بمقدار 400 ألف برميل يوميا، وهو الحد الأدنى الذي كانت تتوقعه السوق قبل الاجتماع.
في هذا الجانب، توقع الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي في حديثه في أسبوع الطاقة الروسي في موسكو، أن تكون السوق متوازنة بحلول نهاية 2021. وجدد التزامه بزيادة تدريجية ومرحلية في الإنتاج. وقال: "يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من أنوفنا. لأنه إذا قمت بذلك، وأخذت 2022 في الاعتبار، فسينتهي بك الأمر بنهاية 2022 بكمية هائلة من المخزونات الزائدة ". وأضاف أن الأزمة التي اجتاحت أسواق الطاقة الأخرى التي نتجت عن عدم كفاية الاستثمار في هذه الصناعات ونقص التنظيم على غرار "أوبك +" توضح مدى أهمية العمل الذي قامت به المجموعة في مجال تنظيم إنتاج النفط.
في الوقت نفسه، أدى تشدد أسواق النفط وارتفاع أسعار الطاقة الأخرى إلى إثارة التكهنات حول مدى ارتفاع أسعار النفط وما إذا كان يمكن أن تصل إلى 100 دولار للبرميل، خاصة إذا كان الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية أبرد من المعتاد. عادة ما ينظر إلى عتبة 80 دولارا للبرميل على أنها حافز لتدمير الطلب، ولكن مع تشدد أسواق الغاز الطبيعي والفحم على مستوى العالم، يمكن أن يكون سعر تدمير الطلب في هذا الشتاء أعلى.
بالفعل، لم يعد العمل كالمعتاد business as usual في أسواق النفط هو القاعدة، ومن غير المرجح أن ينجح القول المأثور إن أفضل علاج لارتفاع الأسعار هو ارتفاع الأسعار. يتمثل الاختلاف الكبير هذه المرة في أن التركيز على الأمور البيئية، والاجتماعية، والحوكمة ESG وتحول الطاقة قد وصل إلى ذروته، وقلل بشكل فعال من استجابة المنتجين العادية لارتفاع الأسعار والطلب المتزايد، أي زيادة الإنتاج. من دون مثل هذه الاستجابة السريعة من المنتجين، يبدو أن السبيل الوحيد هو ترك أدوات آليات السوق لتحديد مساره حتى تصل الأسعار إلى مستوى تؤدي فيه إلى التأثير في الطلب وتحقيق التوازن.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.