.
.
.
.

هل سيُعاد النظر بواقعية في ملف الصفر الكربوني في قِمّة “COP26”؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

نشر في: آخر تحديث:

كلمة رئيس مجلس الدولة الصيني بخصوص أمن الطاقة، ودعوة الرئيس الروسي لأوروبا لكي توقع مع روسيا اتفاقات إمدادات طويلة الأجل، ودعوة سمو وزير الطاقة السعودي لإيجاد هيئات تنظم أسواق الفحم والغاز والاستفادة من تجربة “أوبك+” لضمان استقرار أسواقها وإمداداتها، وأيضا توجهات بعض رجال السياسة والمال الأوروبيين نحو تكاملية مصادر الطاقة، تدعم فرضية أن القمة تحتاج لاستخدام لغة واقعية.

بينما الولايات المتحدة وأوروبا مصممتان على محاربتهما للوقود الأحفوري لصالح ملف الصفر الكربوني، إلا أن بقية العالم غير مستعد للمقامرة باقتصاداته ومجتمعاته لتلبية هذه الرغبة النرجسية، و بدأت بوادر امتعاض عالمي في الظهور بسبب التطرف والتسرع المدعوم بتقارير غير واقعية في محاربة مصادر الطاقة الأحفوري، مما وضع الجميع على أبواب أزمة طاقة حقيقية وفي ظل إحتمالية مواجهة أزمات أخرى مشتقة قائمة، خاصة مع ظهور بوادر جائحة اقتصادية بسبب إرتفاع التضخم والديون السيادية لدرجة مقلقة جدا.

هذا يفسر ما صرّح به رئيس مجلس الدولة الصيني “لي كه تشيانغ” – في خبر هام نقلته وكالة “بلومبرج” في 12 أكتوبر الماضي – باعتبار أمن الطاقة كمنطلق أساس لبناء نظام الطاقة الحديث، ويتبنى هذا التوجه وزير الطاقة الأمريكي السابق “ريك بيري” كما قال خلال مقابلة على قناة “فوكس” في هذا الشهر، وقد ألمح أيضا إلى أن إعادة توزيع الثروات وليس التغير المناخي يلعب الدور الأهم في الحرب الضروس الحاصلة اليوم ضد مصادر الطاقة الأحفوري، وهنا إشارات في طياتها الكثير تجاه ملف المناخ والصفر الكربوني.

لذلك، هل سنسمع لغة مختلفة وجادة في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP26) والذي سينعقد بداية شهر نوفمبر القادم في مدينة جلاسكو الأسكتلندية بالمملكة المتحدة، فيها تركيز على توازن العمل في ملف الصفر الكربوني بواقعية الالتزام بأمن وسلامة إمدادات الطاقة والاقتصادات وتنمية المجتمعات؟

جاءت الأخبار من أوروبا أنها تحاول الآن الاستعاضة بالفحم من جديد، لتغطية النقص الحاد في إمدادات الغاز التي تعاني منها، وهذا له مدلول هام في أن أوروبا المكتوية من نار توجهها وتشريعاتها القاسية في وجه مصادر الوقود الأحفوري، ربما أمامها فرصة لإعادة النظر في ملف الصفر الكربوني بأكثر واقعية، والذي يحتاج – في مرحلته الانتقالية وبينما موثوقية مصادر الطاقة النظيفة ضعيفة – لتكاملية مصادر الطاقة، خاصة أن كثير من طبقات المجتمعات الأوروبية مدقعة في فقر الطاقة التي تصل نسبتها إلى 30% من مجمل السكان، كما هو الحال في بلغاريا واليونان والبرتغال وإيطاليا.

هناك ما يمكن أن يدعم هذه الفرضية من داخل أوروبا، فالعديد من أهل السياسة والمال والأعمال يميلون للاعتقاد بأن أمامها فرصة قوية لإعادة النظر في هذا الملف، فحسب تقرير لوكالة “رويترز” في 25 سبتمبر، صرح رئيس الوزراء الإيطالي “ماريو دراجي” بأن أوروبا بحاجة إلى العمل على تنويع إمداداتها من الطاقة، وهذه نقطة فيها الكثير من المصالحة بين مصادر الطاقة المتنوعة.

كما طالب الرئيس التنفيذي لشركة الطاقة الإيطالية “كلاوديو ديسكالزي” الاتحاد الأوروبي أن يضع خطة منظمة وطويلة الأمد لأمن الطاقة، لا سيما أن معظم احتياجه من الغاز والنفط مستورد، ووضع أوروبا أمام احتياجها للغاز الطبيعي يتزايد تعقيدا حسب افادته، وهذا أيضا مما شجع النرويج للتركيز على أعمال التنقيب على الغاز لأنها أصبحت أكثر قناعة – حسب توجه حزب العمال اليساري فيها – بأن التحول للطاقة النظيفة لابد أن يأتي تدريجيا، حسب ما نقلته وكالة “رويترز” في 13 أكتوبر الماضي.

أمن الطاقة العالمي يمر بمرحلة حرجة، وإن عولجت هذه المسألة الآن فهذا لن يضمن أنها لن تتكرر، كما أن العالم مابعد أزمة الطاقة الحالية لن يكون كما كان قبلها، مما يعني بأن المتغيرات التاريخية الحاصلة في منظومة الطاقة العالمية – وخاصة ملف الصفر الكربوني – تحتاج نظرة واقعية وبلغة جادة لضمان تكاملية الجهود والمنافع.

*نقلاً عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.