.
.
.
.

ماذا يعني إطلاق أول صندوق متداول لعملة بيتكوين؟

فهد بن عبد الله الحويماني

نشر في: آخر تحديث:

تم هذا الأسبوع إطلاق أول صندوق متداول معني بالعملة المشفرة بيتكوين في خطوة طال انتظارها، وذلك بعد أن وافقت هيئة الأسواق المالية الأمريكية على إدراج الصندوق. ما الجديد في هذا الموضوع؟ وما فائدة ذلك للمستثمرين؟ وما تأثير ذلك في سعر بيتكوين وغيرها من العملات المشفرة؟
هناك أكثر من 500 بورصة إلكترونية لتداول العملات المشفرة، من أشهرها بينانس وإتش بي تي سي وهايداكس وديسداك وزد جي دوت كوم، والطريقة المتعارف عليها لشراء العملة المشفرة تتم من خلال إحدى هذه المنصات، لكن العملية لا تخلو من التحديات التقنية لمعظم الناس، حيث يجب على الشخص معرفة دور مفتاحي التشفير الخاص والعام، وطريقة إنشاء محفظة رقمية وكيفية حفظ المفتاح الخاص في قطعة خارجية، وما إلى ذلك من خطوات دقيقة إن لم تتم بشكل صحيح فقد تتسبب في ضياع العملات، دون وجود أي وسيلة لاستعادتها.
هذه الصعوبات التقنية بطبيعة الحال تمخض عنها عدة طرق ابتكارية لجذب المستثمرين المهتمين بالعملات المشفرة وتبسيط العملية بالنسبة إليهم، سواء بطرق لامتلاك العملات مباشرة أو من خلال الاستثمار في شركات مدرجة تتعلق أعمالها بالعملات المشفرة، كتلك العاملة بتقنيات سلاسل الكتل بلوكتشين، مثل شركتي رايوت ومارا، وغيرهم، أو عن طريق تلك الشركات التي لديها تقنيات تعدين العملات وتصنيع المعالجات.
حتى هذا الأسبوع لم يكن هناك أي صندوق متداول للعملات المشفرة في الولايات المتحدة، لكن هناك صناديق متداولة في بعض الدول الأوروبية وفي كندا، وكما هو معروف، كثير من المستثمرين يتعاملون مع الأسواق الأمريكية، فلم يلتفت أحد لهذه الصناديق.
ورغم ذلك هناك صندوق استثماري كبير يستثمر في عملة بيتكوين، وهو موجود في أمريكا منذ عدة أعوام، لكنه ليس صندوقا متداولا، بل صندوق استثمار تقليدي، أو بالأصح صندوق ائتمان.
لماذا الابتهاج الكبير بهذا الصندوق المتداول الجديد رغم وجود صندوق استثماري خاص بعملة بيتكوين منذ أعوام؟
هنا تأتي أهمية الصناديق المتداولة واختلافها عن الصناديق الاستثمارية، فرغم أن صندوق GBTC فعليا يمتلك كميات كبيرة من العملة، تقدر قيمتها بنحو 40 مليار دولار، إلا أن ضعف الشفافية لدى الصندوق وتعذر ممارسة عمليات المراجحة “آربيتراج” في الصندوق وارتفاع رسومه الإدارية البالغة 2 في المائة، أدت إلى ضعف جاذبيته.
يكمن الحل للمشكلة التي يعانيها صندوق GBTC في تحويله إلى صندوق متداول، وهذا ما تسعى إليه إدارة الصندوق، التي ترى أن السماح بإطلاق الصندوق المتداول الجديد يعد خطوة مشجعة لقبول طلبهم بتحويل صندوقهم إلى صندوق متداول.
لماذا إذن سمحت هيئة الأسواق المالية لشركة برو شيرز إطلاق صندوق متداول هذا الأسبوع، ولم تسمح لصندوق GBTC القائم منذ أكثر من خمسة أعوام بالتحول إلى صندوق متداول؟
ليس ذلك فحسب، بل إن صندوق GBTC يمتلك العملات المشفرة بشكل مباشر، بينما الصندوق الجديد لا يمتلك ولا حتى عملة واحدة، مرة أخرى، مشكلة GBTC أنه لا يمكن عمل مراجحة لتحقيق التوازن في سعر الصندوق، وهي العملية التي يقوم بها متداولون مختصون باستبدال العملات مقابل أسهم في الصندوق والعكس، وذلك في أي وقت من الأوقات. هذه الآلية الضرورية لا توجد لدى الصندوق لأنه صندوق استثماري تقليدي، لا تحتسب قيمته إلا بنهاية اليوم ولا يسمح بمثل هذه العمليات.
أما الصندوق الجديد، فيسمح بعمليات المراجحة لكن يجب الانتباه إلى أن ذلك لا يتم مقابل عملات بيتكوين، أي أن الصندوق الجديد لا يقبل بيتكوين مقابل دولارات ولا العكس، والسبب في ذلك أن مكوناته ليست عملات بيتكوين، بل عقودا مستقبلية على بيتكوين. كيف يكون ذلك؟ وما فائدة ذلك للمستثمر؟
الطريقة الصحيحة والمطلوبة هو أن يكون هناك صندوق متداول حقيقي لعملة بيتكوين، وهذا غير موجود حاليا لا في صندوق GBTC ولا الصندوق الجديد، تتمثل طريقة عمله في قيام الجهة التي تدير الصندوق باقتناء كميات معينة من العملة ومن ثم تقسيمها إلى عدد من الأسهم وتطرحها للتداول تماما كالأسهم. هذا غير موجود. لكن الصندوق الجديد المتداول يشتري عقودا مستقبلية من بورصة شيكاغو على عملة بيتكوين، وهذه العقود موجودة منذ مدة طويلة، ومن ثم يكون سعر سهم الصندوق مرتبطا بسعر هذه العقود. إذن: فإن شراء أسهم هذا الصندوق الجديد لا يعني تملك عملات بيتكوين، لكنه يعني التعرض لحركة سعر العملة بشكل قريب للسعر الحقيقي للعملة. ورغم أهمية ذلك للمستثمر إلا أن هناك إشكالية في تعامل الصندوق بالعقود الآجلة بدلا من اقتنائه للعملات المشفرة بشكل مباشر. ما هذه الإشكالية؟
طريقة عمل صندوق بيتكوين الجديد هي أن الصندوق يشتري عقودا آجلة متداولة في بورصة شيكاغو، لكن المعروف أن العقود المستقبلية لها مدة محددة، تعتمد على العقد الذي تم شراؤه، ولكل شهر هناك عقود خاصة به. هذا يعني أن الصندوق يمتلك عقودا تنتهي مدتها في وقت قريب، غالبا بنهاية كل شهر، وذلك لأن الصندوق لا يشتري عقودا بعيدة المدى بسبب مخاطر التسعير، ولذلك يضطر الصندوق لاستبدال عقوده التي قاربت على الانتهاء بعقود جديدة، ربما للشهر التالي، وهنا تأتي الإشكالية في كون الصندوق سيضطر لبيع عقوده الحالية بسعر لا يستطيع التحكم به، ومن ثم شراء عقود جديدة بأسعار أعلى من العقود القديمة.
السبب في كون أسعار العقود الجديدة غالبا أعلى من أسعار العقود القديمة، وبالتالي ينتج عن ذلك تكبد الصندوق خسارة فارق السعر، يعود لظاهرة “كونتانجو” وهي حالة معروفة في العقود المستقبلية تجعل سعر العقد في المستقبل أعلى من سعره في الحاضر. هذه الظاهرة ليست دائمة بهذا الشكل ولا تنطبق على جميع السلع والأصول، بل يحدث أحيانا العكس، لكن بخصوص عقود عملات بيتكوين فهي غالبا تتبع مسار “كونتانجو”.
ما الضرر على المستثمر من قيام الصندوق باستبدال عقود قديمة بجديدة؟
الضرر يأتي في ارتفاع تكلفة الصندوق على المستثمر، وبالتالي لن تكون الاستفادة من حركة بيتكوين في الصندوق مطابقة للحركة الحقيقية للعملة. ورغم كل ذلك، يعد هذا الصندوق المتداول الجديد لعملة بيتكوين من أفضل الوسائل المتاحة حاليا للمهتمين في عملة بيتكوين ممن لا يرغب في شراء العملة بشكل مباشر، لكنه يود المشاركة في تحرك العملة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.