.
.
.
.

استراتيجية المستقبل الأخضر

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"أرى تقدما حقيقيا بمبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر"
الأمير تشارلز، ولي عهد المملكة المتحدة
شكلت المبادرات البيئية المختلفة السعودية محاور مركزية في ساحة حماية البيئة والحفاظ على المناخ، وتحقيق الأهداف المحلية والدولية في هذا الميدان. وهذا الجانب المصيري المهم كان محورا رئيسا في رؤية المملكة 2030 ضمن مستهدفاتها الاستراتيجية الواسعة. فكانت الموازنة عالية الجودة بين البيئة وحمايتها وبين التنمية المستدامة. ووفق هذا المسار تجاوزت المبادرات السعودية الخاصة بالبيئة الحدود، لتسهم في الحراك الدولي للوقوف في وجه المخاطر المحدقة بكوكب الأرض بيئيا ومناخيا. والأهم من هذا كان التحرك الذي لم يتوقف في سبيل الوصول إلى حلول ناجعة لهذه المشكلات التي تتعاظم لأسباب مختلفة، وإن شهدت بعض الانفراج عالميا في الآونة الأخيرة، نتيجة عودة النشاط للحراك الدولي بهذا الصدد.
تمكنت المملكة خلال فترة رئاستها الماضية لمجموعة العشرين من دفع الجهود الخاصة بحماية البيئة والمناخ بشكل عام إلى الأمام، عبر سلسلة من المبادرات والتحركات. وفي ظل التحديات، شجعت كما هو معروف إطار الاقتصاد الدائري للكربون الذي يمكن من خلاله إدارة الانبعاثات بصورة شاملة وكاملة، وذلك بهدف تخفيف حدة الآثار على المناخ، الأمر الذي يجعل أنظمة الطاقة أنظف وأكثر استدامة، وتعزيز أمن الطاقة واستقرارها. وهذا الجانب يعد محوريا على صعيد التحرك الدولي، ويدعم بقوة المعايير والقواعد التي نص عليها "اتفاق باريس للمناخ" الذي وقعته الدول عام 2015، ووضع مخططات واقعية من أجل تحقيق الأهداف الرئيسة، وفي مقدمتها الإبقاء على ارتفاع حرارة الأرض تحت حدود 1.5 درجة مئوية.
في فترة رئاسة السعودية لمجموعة العشرين عد الخبراء في مجال البيئة، أنها وفرت قوة دفع كبيرة في ميدان ستكون متفاعلة لعقود مقبلة، بل ستؤطر العلاقات الدولية في المستقبل. فالمملكة تتحرك في سياق عملي وواقعي ضمن مسار التنمية المستدامة وقدمت مبادرتي "السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر". وهاتان المبادرتان استقطبتا تأييدا كبيرا من الجهات الدولية المعنية، لأنهما تنسجمان بصورة كبيرة مع الحراك العالمي البيئي، بل تقدمان أفكارا مبتكرة في هذا المجال، فضلا عن أنهما تشكلان دافعا لدول أخرى للمضي قدما نحو "مستقبل أخضر". فالأمير تشارلز ولي العهد البريطاني وجد فيهما أدوات حقيقية للتقدم على صعيد حماية البيئة ودعم صيانة المناخ عموما، فضلا عن اعتباره أن للمملكة إمكانات هائلة للطاقة المتجددة. أما جون كيري، المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المناخ، فقد شدد على أن المبادرات السعودية عموما في هذا المجال، تمثل قوة دفع كبيرة للحراك العالمي.
النسخة الأولى للمنتدى السنوي لمبادرة السعودية الخضراء في الرياض التي انتهت أمس (الإثنين)، كانت بمنزلة وقودا جديدا للحراك السعودي العالمي على صعيد البيئة والمناخ، ولا سيما مع إعلان الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، ورئيس اللجنة العليا للسعودية الخضراء حزما من المبادرات البيئية تبلغ قيمتها 700 مليار ريال. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فإحدى مهام المنتدى الأساسية كانت متابعة أثر المبادرات التي تم إعلانها سابقا، الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات مبادرة "السعودية الخضراء". المملكة قدمت في الواقع خريطة طريق لحماية البيئة ومواجهة تحديات التغير المناخي، في وقت يحتاج فيه العالم إلى أي حراك بهذا الخصوص، يسهم في تحقيق الأهداف التي اتفقت الدول عليها. فقد كان من الطبيعي أن تنضم المملكة وهي تطرح هذه المبادرات إلى "التعهد العالمي بشأن الميثان"، الهادف إلى خفض انبعاثات الميثان الدولية بنسبة 30 في المائة.
لا حدود أمام السعودية في ميدان حماية البيئة. فولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أطلق مبادرات في مجال الطاقة من شأنها تخفيض الانبعاثات الكربونية بمقدار 278 مليون طن سنويا بحلول عام 2030. وهذا بالمناسبة، يدخل ضمن التخفيض الطوعي بأكثر من ضعف مستهدفات السعودية المعلنة، فيما يرتبط بخفض الانبعاثات. كل هذا يدعم بالطبع هدف المملكة الأشمل، وهو الوصول إلى الحياد الصفري عام 2060، ولا سيما نهج الاقتصاد الدائري للكربون. فضلا عن مخططات المملكة التي تشمل توليد 50 في المائة من احتياجاتها من الطاقة من مصادر طاقة متجددة بحلول 2030.
وفي كل الأحوال، فإن الحزمة الأولى من المبادرات التي أعلنها ولي العهد تمثل استثمارات بقيمة 700 مليار ريال، لا تسهم في تنمية الاقتصاد الأخضر فحسب، بل تجد فرص عمل نوعية، فضلا عن توفير فرص استثمارية هائلة للقطاع الخاص الذي يمثل محورا أساسيا ضمن رؤية المملكة 2030. الحراك البيئي السعودي يمضي في ثلاثة مسارات: محلي وإقليمي وعالمي، وهو في الوقت نفسه مرتبط بقوة بمسار التنمية المستدامة الهادفة إلى استكمال بناء اقتصاد وطني جديد. فالمبادرات في مجال المناخ وحماية البيئة عموما متجددة ومرنة ومبتكرة، وحزم الاستثمار في هذا الميدان هي الأخرى حاضرة على الساحة، كما أنها متنوعة، وتفسح المجالات لكل الجهات لأن تكون لها حصص فيها.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة