.
.
.
.

عروض المناقصات الحكومية.. ما هي إشكالية الفرق بين التقي

يحيى الجدران

نشر في: آخر تحديث:

تحتاج الجهات الحكومية ومؤسَّسات الدولة الكثير من التجهيزات حتى تقوم بعَمَلِهَا، وهذا يتطلَّب نوعاً من المقاولات التي يُقدِّمُهَا القطاع الخاص المتخصِّص.

وفي هذا المجال، تقدم الجهة الحكومية طلبها من حيث المواصفات والتفاصيل الفنية، فيما يتقدَّم العارضين بعروضِهِم وفق المواصفات والأسعار التي يستطيعون تقديم المشتريات الحكومية بناءً عليها.

وهكذا، يفوز العرض الأقلُّ تكلفةً على الجهة الحكومية، والأعلى من حيث المواصفات في نفس الوقت؛ ولذلك تسمَّى هذه العملية بـ: “المناقصة”، حيث يتنافس المناقِصون على الفوز بها.

لكن تحيط بعملية المناقصة الكثير من الإشكاليات؛ نظراً لوجود هامشٍ من الربح للمشاريع المتنافسة على المناقصة، بحيث يكون قطاع المقاولات مُتأهِّباً لأية مناقصة مشترياتٍ تطرحها الدولة.

هذا التنافس، قد يُشكِّلُ فرصةً لتعارض المصالح لدى القائمين على المناقصة؛ فقد يتمُّ التلاعب بنتائجها، لكن مثل هذه الممارسة ممكنة الاكتشاف بالنظر إلى توثيق المستندات.

بناءً عليه، قد يلجأ المتلاعبون بالمناقصة إلى وضع معاييرٍ لا تنطبق إلاَّ على المقاوِل المتواطئ معهم، فيفوز بالمناقصة بشكلٍ طبيعيٍّ، وكأنَّ المناقصة جرت وفق النظام، في الوقت الذي تتمُّ فيه عملية غشٍّ بالنسبة لباقي المناقصين، وهذا ما يضرُّ بميزانية الدولة التي تحتاج فعلاً أقلَّ العروض سعراً وأعلاها مواصفةً.

من هذا المنطلق، فقد أصدرت “هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية” مجموعةً من الضوابط التي يجب على أية جهةٍ حكوميةٍ أن تَحتَرِمَهَا لدى إعداد معايير تقديم عروض المشتريات، وذلك بتاريخ 26-8-1442 هـ.

وهذا يعني، أنَّ الجهة الحكومية غير مطلقة اليد في وضع معايير التقييم، خوفاً من وضع معايير لا تنطبق إلاَّ على مناقصٍ واحدٍ، الأمر الذي يضرُّ بالمال العام ويؤذي المصالحة العامة.

ومن هنا، فقد أكَّدت الهيئة المذكورة على واجب الجهة الحكومية بـ: “وضع معايير التقييم بحيث تكون واضحةً وموضوعيةً ومُحقِّقةً للمصلحة العامة وألاَّ تهدف إلى ترسية الأعمال على مُتَنَافِسِينَ مُحدَّدِين” (الهدف، 2-أ).

فإذاً، تعتبر الغاية الأساسية من هذه الضوابط، هي ضمان فرض معايير تقييم شفافة تصل بالجهة الحكومية للسعر والمواصفة الأفضل.

لكن الإشكالية الكبرى التي تواجه هذه الضوابط، هي في نوع معيار التقييم، كالتالي:

المعيار المالي؛ حيث يتمُّ اختيار أقلُّ عرضٍ من حيث القيمة المالية، فإذا تقدَّمت وزارة المواصلات بطلب لشراء حافلات، وتقدَّمت ثلاثة شركات لبيعها، فهنا يفوز العرض الذي يُقدِّم الأقل سعراً مع ذات المواصفات.

المعاير الفني؛ وهو معيار تقديريٌّ لا يمكن قياسه بشكلٍ رقميٍّ مُجرَّدٍ عكس المعيار المالي، ووفق المثال، لا يفوز فقط العرض الأقلُّ سعراً، بل الذي يحقُّق مواصفاتٍ فنيةٍ؛ مثل القدرة على تحمل المحركات لحرارة الطقس، والعمر الافتراضي للحافلات وغيرها من المعايير الفنية التقديرية.

فإذا اعتمدت معايير تقييم العروض على المعيار المالي وأهملت الفني، سيفوز العرض الأرخص، لكنه قد يكون الأردأ فنياً، بينما إذا تمَّ إهمال المعيار المالي والتركيز فقط على المعيار الفني، سيفوز العرض الأفضل فنياً، لكنه قد يكون أعلى من القدرة المالية للجهة الحكومية.

لذا، فقد كان لا بد من فرض ضوابط لمعايير التقييم بحيث تكون متوازنةً بين المعيار المالي والفني.

انطلاقاً من هذه الرؤية، فقد ابتكرت الضوابط الصادرة حديثاً مفهوم: “وزن المعايير” بحيث يتمُّ الخروج بأفضل العروض توازناً من الناحية المالية والفنية معاً.

وتعني عملية وزن المعايير، منحها نسبةً مُعيَّنةً حتى تدخل في تقييم العرض؛ فمثلاً يكون وزن قيمة المالية ما نسبته 60% من التقييم، فيما تذهب نسبة الـ 40% الباقية إلى القيمة الفنية.

وقد وضعت الضوابط أوزاناً إلزامية للمعايير وفقاً لطبيعة المناقصة، حيث نجد في العقود الإنشائية عالية القيمة أنَّ المعيار المالي يصل وزنه إلى بين 80% إلى 95% خلال التقييم، بينما في العقود الاستشارية يكون وزن المعيار الفني بين 60% إلى 80% من عملية التقييم (الضوابط، صـ15).

بالتالي، يمكن استنتاج أنَّه كلما كان موضوع المناقصة مُعقَّداً كان عالي الخطورة على الجهة الحكومية؛ لأن وزن المعيار الفني يتجاوز وزن المعيار المالي، وكلما كانت القيمة الفنية أقل كلما انخفضت المخاطر وارتفع وزن المعيار المالي؛ وهذا ما أطلقت عليه الضوابط تسمية: “الأهمية النسبية” (صـ10).

لكن، على الرغم من أنَّ الضوابط قد فرضت أوزاناً إلزامية وفق نوع العقد على الجهات الحكومية، إلاَّ أنَّ المعيار الفني يُشكِّلُ قيمةً واضحةً في هذه الأوزان، تتراوح في الأهمية حسب تعقيد موضوع العقد.

وهذا يعني ضرورة فرض معايير قابلة للتقييم بشكلٍ واضحٍ وإلزاميٍّ، فعلى الرغم من نصِّ الضوابط على ضرورة وضع معاييرٍ فنيةٍ وماليةٍ قابلةٍ للقياس على أساسٍ كميٍّ ماليٍّ (صـ5)، إلاَّ أنَّ هذا القياس الكميِّ الماليِّ لا يمكن ضمان دقَّته وجودته إذا تعلَّق الأمر بمواصفاتٍ فنيةٍ مُحدَّدةٍ.

فمثلاً عند الحاجة لتعيين مستشارٍ في تقنية المعلومات، فهل يمكن تحويل الخبرات والكفاءات الفنية إلى معيارٍ كميٍّ دقيقٍ؟

بالتأكيد لا، لأنَّ هامش التقدير يبقى غالباً على المعيار الفني، في الوقت الذي يمكن بسهولة تقييم الجانب المالي الخاصِّ بالأتعاب.

بالتالي، يبقى الطريق طويلاً أمام هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية حتى تضع معايير تقييمٍ فنيةٍ مُنضَبِطَةٍ وموضوعيةٍ بشكلٍ تامٍّ.

الأمر الذي يدفع لاقتراح إنشاء لجنةٍ خاصةٍ في الهيئة، بحيث تختصُّ بمهمة تقييم الجانب الفني من كلِّ عرضٍ في المناقصات التي يزيد وزن المعيار الفني فيها على 40% من معادلة التقييم.

بهذه الطريقة، تكسب الجهة العامة طالبة العروض، عدة مكاسبٍ ماليةٍ وفنيةٍ، منها إعادة مراجعة التقييم الفني للعرض مرةً أخرى، ومنها وجود لجنةٌ مُتخصِّصةٌ ومستقلَّةٌ تسعى لحماية المال العام ونجاح المناقصة في آنٍ معاً.

* نقلاً عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.