.
.
.
.

لا شيء مجاني في سوق الأسهم

فهد بن عبد الله الحويماني

نشر في: آخر تحديث:

تستقبل سوق الأسهم مستثمرين جددا طوال الوقت، كأنها مدرسة يلتحق بها الطلاب كل عام، غير أن أبواب سوق الأسهم مفتوحة طوال العام، لذا أحيانا أشعر بأهمية التنبيه إلى بعض الأمور التي قد يغفل عنها المستجدون إلى سوق الأسهم، مثل المقصود بيوم الأحقية لتوزيع الأرباح على المساهمين، وغيرها من الأحداث التي تصدر عن الشركات باستمرار. بعض المتداولين يسمع، على سبيل المثال، أن اليوم نهاية أحقية توزيع الأرباح لإحدى الشركات، وبذلك من يملك السهم بنهاية اليوم سيحصل على الأرباح التي ستوزعها الشركة، ومن يشتري السهم من الغد وصاعدا فلن يحصل على هذه الأرباح. ونتيجة لهذه المعلومة قد يظن الشخص أن عليه الإسراع بشراء السهم قبل نهاية تداول اليوم ليكون من ضمن أولئك الذين سيحصلون على التوزيعات.
التصرف بهذا الشكل بالطبع غير صحيح، ليس فقط بسبب أنه لا توجد فائدة من هذا الربح الموزع، بل إن القيام بذلك مضر للمستثمر، أي: على العكس مما يتوقع. كيف يكون الإسراع بشراء السهم للحصول على الأرباح الموزعة مضرا للمستثمر؟
المشكلة هنا أن انتهاء يوم الأحقية يستوجب انخفاض سعر السهم في يوم التداول التالي بمقدار الربح الموزع، بمعنى لو أن سعر السهم اليوم 100 ريال، وتوزيع الأرباح بمقدار خمسة ريالات، فسينخفض سعر السهم تلقائيا في يوم التداول التالي ليكون 95 ريالا. هذا النزول بمقدار خمسة ريالات ليس من باب الاحتمالات ولا التوقعات، بل إنه أمر ضروري لا فكاك منه، لماذا؟
قبل أن نستعرض سبب ضرورة انخفاض سعر السهم في اليوم التالي، نعود لمن أسرع بالشراء ليكون من ضمن المستحقين للأرباح، ونجد أنه في واقع الأمر خرج بخسارة من تصرفه هذا، بسبب أنه دفع 100 ريال للسهم، وفي اليوم التالي أصبح سعر السهم 95 ريالا، والآن عليه الانتظار لمدة تصل أحيانا إلى نحو شهر كامل للحصول على الخمسة ريالات التي استعجل بشأنها. بينما لو اشترى السهم في اليوم التالي، فسيدفع فقط 95 ريالا، ولن يحتاج إلى الانتظار مدة شهر لنزول الخمسة ريالات في محفظته الاستثمارية.
ما حقيقة انخفاض سعر السهم في اليوم التالي للأحقية؟
هذه حقيقة مطلقة لا فكاك منها، سببها الرئيس انخفاض أصول الشركة وما يتبعه من سلوك لدى المضاربين الذين ضمنوا الحصول على التوزيعات فيقومون ببيع السهم. عندما تقوم الشركة بتوزيع أرباح نقدية على المساهمين، فالعملية في حقيقة الأمر عبارة عن انخفاض في أصول الشركة، لأن كمية النقد التي ستوزع على المساهمين جزءا من أصول الشركة. وعندما تنخفض قيمة الأصول فبالضرورة تنخفض القيمة السوقية للشركة، وبالتالي ينخفض سعر السهم. تخيل لو أن شركة لا توجد لديها أصول عدا “كاش” بمقدار مليار ريال، دون أي أصول أخرى -لا ملموسة ولا غير ملموسة- ولا توجد لديها ديون ولا مشاريع قائمة ولا متوقعة، ولا قيادة استثنائية ولا خطط تنفيذ مؤكدة ولا أي شيء آخر. كم تكون القيمة السوقية لهذه الشركة؟ ستكون بالطبع مليار ريال، وهي عبارة عن “الكاش” الذي في بنك الشركة، وهو كل ما لدى الشركة من أصول.
وعندما تقوم هذه الشركة، التي تبدو غريبة وهي ليست كذلك كما سنرى أدناه، بتوزيع أرباح بمقدار 100 مليون ريال، فستنخفض قيمتها السوقية 100 مليون ريال، كون أصولها انخفضت بهذا القدر، وهي فقط النقد الذي تملكه. وهذا هو الذي يحصل حتى في الشركات القائمة التي لديها مشاريع وأصول والتزامات متنوعة: إذا انخفضت الأصول بمقدار (س)، يجب أن تنخفض القيمة السوقية بمقدار(س).
الأمر المثير أكثر هو أن مؤشر القطاع الذي تنتمي إليه الشركة سينخفض كذلك بسبب التوزيعات، وكذلك المؤشر العام للأسهم سينخفض بنقاط تتناسب مع كمية الأرباح الموزعة. لا يمكن خروج مال من الشركات دون تغير أسعار أسهمها وأسعار المؤشرات التي تأتي الشركة من ضمن مكوناتها. هذا يعني من زاوية أخرى أن مؤشر سوق الأسهم يفقد سنويا كمية من النقاط تتناسب مع مقدار التوزيعات التي تقوم بها الشركات. في وقت سابق قمت بحساب القيمة المفترضة لمؤشرالأسهم السعودية فيما لو لم تكن هناك توزيعات نقدية طوال الأعوام الماضية، ووجدت أنها نحو 23 ألف نقطة، بينما المؤشر اليوم أقل من 12 ألف نقطة، انخفاض قيمة المؤشر بهذا الشكل أمر طبيعي وضروري ويحصل في كل مكان، ليس الهدف هنا التذمر من توزيعات الأرباح ولا المطالبة بإيقافها.
لنعود إلى النقطة التي أشرت فيها إلى تأثير انخفاض الأصول على سعر الشركة، حيث ذكرت مثالا لشركة لا تملك غير كمية من “الكاش”، وذلك لمعرفة لتأثير خروج جزء من هذا “الكاش” على قيمة الشركة، التي أصولها عبارة عن “كاش” صاف دون أي أشياء أخرى. هل توجد فعليا شركات ليس فيها إلا “كاش” فقط، أم أنني فقط أورت مثالا وهميا غير حقيقي لإيضاح الفكرة؟ الحقيقة: إن هناك عددا لا بأس به من الشركات التي لا يوجد فيها أي شيء إلا “الكاش” فقط، وهي بدأت تتكاثر في الأعوام القليلة الماضية، وتسمى شركات الاستحواذ الخاصة SPAC، وهي التي من خلالها تم إدراج شركة لوسيد للسيارات الكهربائية، التي تمتلك المملكة نسبة كبرى منها.
شركات الاستحواذ الخاصة تدرج في الأسواق بلا أي أصول عدا “الكاش” الذي تم جمعه من المستثمرين المكتتبين، ولذا تجد أن جميع هذه الشركات سعرها يبدأ بعشرة دولارات، ومهما حصل لها لا ينزل سعرها عن عشرة دولارات، لأن هناك كمية من “الكاش” في كل الأوقات تغطي هذا السعر، وهي كمية محتفظ بها لدى أمين حفظ ولا يمكن استخدامها إلا لأغراض الاندماج مع شركات أخرى. أحيانا تجد بعض شركات الاستحواذ الخاصة سعرها أعلى من عشرة دولارات، وأحيانا أعلى بكثير رغم أنها لم تندمج مع شركة قائمة، ورغم عدم وجود أصول لديها غير “الكاش”.
سبب ارتفاع أسعار أسهم هذه الشركات يعود إلى وجود إعلانات بشأن اندماجات متوقعة، أو بسبب تميز قيادة الشركة وزيادة احتمالية حصولها على اندماجات مجزية، ما يجعل المستثمرين يشترون أسهمها رغم عدم وجود أي أصول غير “الكاش”.
خلاصة الموضوع هو أنه لا يوجد شيء مجاني في سوق الأسهم، بل ربما ولا في أي من مناحي الحياة الأخرى، وإن يوم أحقية توزيع الأرباح ليس إلا إجراء تنظيميا لمعرفة قائمة المساهمين الذي سيحصلون على الأرباح الموزعة، والذين سيجدون أن سعر سهمهم ينخفض مباشرة وتلقائيا في اليوم التالي بمقدار الربح الموزع.
وأخيرا: هذا الكلام ينطبق كذلك على أسهم المنحة التي تسمى أسهما مجانية، فهي ليست مجانية ولا تنتج عنها فائدة مالية للمساهم، وكذلك ينطبق الكلام على يوم أحقية حقوق الأولوية، وربما غيرها، والسبب بكل بساطة أنه لا يوجد شيء مجاني في سوق الأسهم.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.