.
.
.
.

مبادرة الشرق الأوسط الأخضر .. تكامل وتفاعل

أ. د. رشود بن محمد الخريف

نشر في: آخر تحديث:

أحسنت المملكة صنعا بإطلاق مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، وهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وليست غريبة على المملكة، فقد أطلقت مبادرات كثيرة للسلام، والبيئة، وحوار الثقافات، والإغاثة وإعادة البناء. وانطلاقا من اهتمامات ولي العهد؛ عراب رؤية المملكة 2030، بالبيئة والتنمية المستدامة الذي انعكس في مشروع نيوم العملاق، ومبادرة الرياض الخضراء، والسعودية الخضراء، وما واكب ذلك من إصدار تشريعات جديدة وإنشاء هيئات جديدة، وذلك استشعارا بأهمية البيئة لإحداث التنمية المستدامة، وقبل ذلك بقاء الإنسان بصحة وسلامة.
فقبل أيام، افتتح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أعمال قمة "مبادرة الشرق الأوسط الأخضر" في الرياض، وحظيت بتفاعل دولي انعكس في مشاركة دولية واسعة تتضمن رؤساء وقادة دول وصناع القرار في العالم. وتهدف قمة "مبادرة الشرق الأوسط الأخضر"، إلى "رسم خريطة إقليمية لحفظ الحياة ورفع جودتها"، لمواجهة تحديات التغير المناخي وتأثيره في البيئة الطبيعية والإنسان والحيوان. واشتملت المبادرة على تقليل انبعاثات الكربون بأكثر من 10 في المائة من المتطلبات الدولية، وزراعة 50 مليار شجرة، أي نحو عشر شجرات لكل مواطن عربي؛ ما يسهم في تحقيق 5 في المائة تقريبا من المستهدف العالمي للتشجير.
وأشار ولي العهد، إلى أن المملكة "تؤمن بأن مصادر الطاقة التقليدية كانت أهم الأسباب لتحول دول المنطقة والعالم من اقتصادات تقليدية إلى اقتصادات فاعلة عالميا، والمحرك والدافع الرئيس نحو أسرع نمو اقتصادي عرفته البشرية على الإطلاق. إننا اليوم ندشن حقبة خضراء جديدة للمنطقة، نقودها ونقطف ثمارها سويا، إيمانا منا أن آثار التغير المناخي لا تقتصر على البيئة الطبيعية فقط، بل تشمل الاقتصاد والأمن". وبذلك تكون المملكة قد أسهمت في النمو الاقتصادي العالمي الكبير أعقاب الحرب العالمية الثانية من خلال إنتاج الطاقة التقليدية، واليوم تبادر للحد من الكربون وتطوير الطاقة النظيفة من خلال مفهوم الاقتصاد الدائري، وتأسيس مركز إقليمي لرصد ودراسة التغير المناخي. وتمخضت القمة عن مبادرة جديدة لتأسيس مركز إقليمي للإنذار المبكر بالعواصف للإسهام في تقليل المخاطر الصحية الناتجة من موجات الغبار.
إضافة إلى ذلك، أشار بيان القمة إلى أن المملكة ستعمل على تأسيس مركز إقليمي للتنمية المستدامة للثروة السمكية؛ للإسهام في رفع التنوع البيولوجي البحري وخفض مستوى الانبعاثات في قطاع الأسماك، وإنشاء برنامج إقليمي لاستمطار السحب؛ للإسهام في رفع مستوى الهاطل المطري بنحو 20 في المائة. واهتمت القمة بالغطاء النباتي في إفريقيا بوجه خاص لما يتعرض له من تدهور، ودعت إلى تأسيس مؤسسة المبادرة الخضراء كمؤسسة غير ربحية مستقلة.
لا بد من تكاتف وتآزر جميع دول منطقة الشرق الأوسط خصوصا والعالم عموما من أجل حماية كوكبنا الأزرق من التلوث البيئي والتصحر وما ينتج عنهما من تغير مناخي لا تحمد عقباه على مستقبل الحياة على سطح هذا الكوكب.
وأخيرا يخطئ من يعتقد أن إحداث تغيير إيجابي في مجال المحافظة على البيئة ضمن مبادرة الشرق الأوسط الأخضر يكلف الكثير، ولا يمكن أن ينطلق إلا بتوافر موارد كبيرة. والحقيقة أن الكثير يمكن أن يتحقق بجهود بسيطة وتكاليف معقولة، خاصة إذا توافرت الإرادة القوية في كل دولة. فعلى سبيل المثال، إيجاد تشريعات موحدة وصارمة لحماية البيئة أمر لا يكلف الكثير، وبالمثل فإن رفع مستوى الوعي البيئي لا يكلف الكثير مع وجود الإرادة والإدارة، وكذلك فإن التطوع في مجال البيئة عموما والتشجير خصوصا أمر محبب لدى الكثيرين ولديهم استعداد للمشاركة في زيادة التشجير، خاصة مع إقبال منشآت القطاع الخاص على ذلك ضمن جهود المسؤولية الاجتماعية. هذا سيعزز نجاح مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، خاصة مع ما خصص لها من دعم سخي يتمثل في مليارات الريالات وستسهم المملكة بقدر كبير منه.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.