.
.
.
.

تعافي الاقتصاد العالمي مستمر ولكن ...

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

تعافي الاقتصاد العالمي مستمر، لكنه تعاف متذبذب ومتعسر. من أهم أسباب التعسر أن التعافي من كورونا غير واضح. وتنتشر الأخبار عن سلالات من كورونا تحت التطور. والموضوع تحت أخذ ورد؛ ما ينعكس تبعا على الأوضاع الاقتصادية، ويصعب من تبني قرارات اقتصادية شاملة تكتسب الصفة النهائية.
المعضلة ليست في كورونا فقط. زادت الصعوبات مع قضايا؛ كالتغير المناخي والخلافات التجارية. وكان من النتائج اختلافات قوية بين أهل الاختصاصات والسلطات في العالم حول هذه القضايا، وقضايا أخرى كثيرة متعلقة، وما أنسب سبل التعامل معها. ووجود هذه الخلافات ومصادر وأسباب وجودها مدعاة لسوء فهم كثيرين ممن هم خارج الدائرة، خاصة دائرة التخصص المعين على فهم طبيعة الأمور والخلافات حولها. وقد تستغل لمآرب. وللتشبيه، مثل أسباب اختلافات الفقهاء، قد يساء فهمها من البعض، وقد تستغل من أصحاب هوى.
في تقريره الدوري الأحدث الصادر قبل أيام يتوقع صندوق النقد الدولي نموا في الاقتصاد العالمي نحو 6 في المائة العام الحالي، و5 في المائة العام المقبل. والتقرير المقصود «الاستشراف الاقتصادي العالمي» World Economic Outlook، واختصارا WEO يصدر مرتين سنويا في الربيع والخريف، وهو خلاصة تحليلات الصندوق حول التطورات الاقتصادية في العالم أخيرا، وتوقعات المستقبل القريب.
أرقام الصندوق المتوقعة السابقة أقل مما صرح الصندوق بتوقعها قبل شهور. طبعا هناك أسباب زادت وضوحا، فغيرت التوقعات. منها أوضاع تسببت في ضعف حركة العرض، ما صنع مزيد فجوة بين العرض والطلب. وإحدى نتائجها انخفاض النمو الاقتصادي وارتفاع الأسعار. لكن متوقع تحسن النمو على المدى المتوسط بعد 2022. لكنه توقع غير مفتوح. ذلك أنه مرتبط بألا تقع قويا أحداث وتطورات ما كانت في الذهن والبال. هذه مسألة غيبية، ولا يعلم الغيب إلا الله.
طبعا كل تحليل لتوقع مستقبلي وكل تحليلات له تبنى على افتراضات وبيانات، كما هي في وقتها. افتراضات حول أمور كثيرة، اقتصادية وغير اقتصادية. في الشأن الاقتصادي مثلا، أسعار الصرف وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم. تغير في الافتراضات وتغير في الأرقام والبيانات بسبب مزيد دقة أو اكتشاف خطأ ونحو ذلك، كل هذا تغير في النتائج الاقتصادية التي سبق توقعها أو فهمها بصورة عامة.
لنأخذ التضخم مثلا. هناك خلافات بين فطاحلة في الاقتصاد من دول عديدة حول معدلات التضخم المتوقعة. ومن أهم أسباب الخلافات اختلاف في مفاهيم وتعريفات واختلاف في افتراضات مؤثرة بطبيعتها في التوقع. أحدهم يتكلم عن معدل تضخم مقارنة بالمعدل في العام الماضي، وآخر يقارن بما حصل في فترة أطول، وهكذا.
ازدياد التضخم يعكس مشكلات وفجوات بين العرض والطلب. وأحد أسباب هذه الفجوة طبيعة البشر في الانقضاض بعد حصول توقف أو انحسار. للتشبيه، لو افترضنا تأخر فتح مكتب خدمي مهم عليه طلب قوي، لمدة ساعة مثلا عن موعد الفتح المعتاد. ساعة الفتح سنشهد انقضاضا وزحاما، أي إن الطلب فوق طاقة العرض كثيرا. وهذا لفترة مؤقتة في العادة.
من المشكلات التي كانت من قبل كورونا وزادتها كورونا الخلافات التجارية بين دول كبرى، كالصين وأمريكا.
هناك نقاش قوي حول ما ينبغي عمله بعد انتهاء كورونا. هناك تحديات لما يمكن أن يسمى اقتصاد ما بعد الكارثة. التحديات تطول مواضع كثيرة؛ كرأس المال البشري، وطبيعة حركة الاقتصاد والتغير في سلوكيات ورغبات الناس.
التغيرات السياسية والاقتصادية والتحديات والتوترات ذات الطابع الحضاري والتاريخي التي يمر بها العالم زادت من الإحساس بأزمة في العالم، مقارنة بما تعود عليه العالم خلال عقود مضت بعد الحرب العالمية الثانية.
تتطلب هذه التغيرات والتحديات من الدول وقادة الرأي الاهتمام أكثر بتطبيق إصلاحات ترمي إلى زرع قوي لثقافة التعاون. وصدرت من السعودية أكثر من مبادرة تدعو للعمل على وضع حد لحالة التشتت. توصيات ومقترحات خلاصتها دعوة مفكري العالم ومفكري العالم الاسلامي، إلى استكشاف أفضل الحلول لتخفيف مشكلات البشرية. وهذا يعني الدعوة إلى تعزيز قيم التعاون وممارسات وتطبيقات العدالة الاجتماعية والشفافية ومكافحة الفساد وتحقيق الأمن المعيشي بحده الأدنى. كما يعني ذلك الوصول إلى حل عادل شامل للقضية الفلسطينية. كل ما سبق يتطلب عملا دوليا يقوم على التعاون على البر وليس العدوان في علاقات الدول وفي العولمة.
نوع التعاون ورد في قوله تعالى «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». توجيه عام للبشرية. أمر - سبحانه - جميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى. والمعنى كما ذكر علماء تفسير معتبرون، أي: ليعن بعضكم بعضا أيها البشر. تعاونوا على ما أمر الله به وانتهوا عما نهى عنه.
تظهر أهمية التعاون بصورة واضحة في القمة الـ 16 لمجموعة العشرين التي استضافتها إيطاليا في اليومين الماضيين. تناولت القمة ثلاث قضايا أساسية عناوينها الكوكب والناس والازدهار. ومبادرة السعودية الخضراء نموذج يقتدى به. ونطمح - بتوفيق الله - إلى دور سعودي وخليجي وإسلامي أعلى في إحداث مزيد من الإصلاح للنظام الاقتصادي العالمي، لما فيه خير البشرية.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.