.
.
.
.

ماذا تعرف عن الاستدامة؟

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

في الأسبوعين الأخيرين أصبحت مفردة «الاستدامة» شائعة جداً، ولم يبقَ بيت شَعر ولا وبر إلا أصبح فيه حديث عن «الاستدامة» والحفاظ على البيئة. وسمعنا كلنا للخطابات القوية والمستهدفات العالية لرؤساء الدول وممثليها الذين حضروا «قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» التي انعقدت في الرياض بعد يوم من عقد «مبادرة السعودية الخضراء».
عندما نسمع كل هذه الخطابات نتشبع بالتفاؤل حول مستقبل البيئة وثروات المنطقة، بينما الواقع يصيبنا بنوع من الإحباط. ودعوني أسأل: ماذا نعرف حقيقة عن «الاستدامة»؟
دعوني أشارككم رأيي المتواضع في هذا الأمر. نحن لا نعرف الكثير عن الاستدامة، وليست إلا عبارة عن برامج وطنية كبيرة تقودها الدول، ولا يوجد لدى الناس ولا ممثلي المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وعي كبير حول المعاني العميقة لهذه المفردة.
وحتى تدركوا معي حجم المشكلة؛ تخيلوا أن غالبية الضيوف الذين حضروا إلى «منتدى مبادرة السعودية الخضراء» التي تدعو إلى الحفاظ على البيئة وحماية الأشجار، كانوا يتبادلون بطاقات تعريف ورقية فيما بينهم! نعم إنها ورقية مصنوعة من الورق الذي يتم إنتاجه من خلال تدمير الأشجار. لا يهم هذا؛ لأن الوضع في الخارج أسوأ بكثير، ولا يوجد لدينا أدنى احترام لثروات الطبيعة، والطريق طويلة جداً.
عموماً؛ ما معنى كلمة «الاستدامة»؟ ببساطة هي الحفاظ على الثروات اليوم من أجل أن تستخدمها الأجيال المقبلة؛ أي إننا يجب أن نستخدمها بشكل لا يقضي على قدرة الأجيال المقبلة على استغلالها.
و«الاستدامة» ليست الحفاظ على الأشجار والبيئة فقط؛ بل في العالم الغربي اليوم أصبحت المفردة تعني الحفاظ على 3 ركائز أساسية؛ هي: البيئة، والاقتصاد، والمجتمع.
قد يكون موضوع البيئة واضحاً للجميع، لكن ماذا نقصد بالمجتمع والاقتصاد؟ بالنسبة للاقتصاد؛ فهي تعني أن نفكر في كيفية استدامة الرفاه الاقتصادي الذي نعيشه لأجيال طويلة. ولدينا اليوم مفهوم «الاقتصاد الدائري» الذي يدعم استخدام الأشياء بصورة أكبر ومستمرة. مثال هذا؛ وجود شركة في إيطاليا تستخدم الألياف النباتية التي تخلفها محلات العصير لصنع أقمشة تدخل في ملابس تُستخدم لسنوات طويلة.
وحول ما يتعلق بالمجتمع؛ فإننا نتحدث عن العلاقة بين الإنسان والمنظمات والشركات، والتي تحكم المجتمع، والنمو السكاني المستدام، والتخطيط الحضري للمدن، وتوفير مدن ملائمة للحياة تساعد في الحفاظ على العلاقات الإنسانية والثقافية وتنميتها.
لم يكن موضوع التخطيط الحضري يعني الكثير لي حتى أخذت دورة تنفيذية في جامعة «MIT» حول التخطيط الحضري للمدن، وكانت هذه الدورة من أهم الدورات التي أخذتها في مسيرتي العملية؛ لأنها فتحت آفاقي على أمر مهم جداً؛ هو مستقبل البشرية والحياة العصرية.
لقد أصبحت المدن هي الأساس، شئنا أم أبينا؛ لأنها هي التي تعمل على توفير فرص العمل، ولهذا بدأ الكل إيجاد حلول في كيفية استيعاب النمو السكاني مع توفير الأدوات المناسبة للأفراد لتنمية أعمالهم. وللأمانة؛ فإن جامعة «MIT» رائدة عالمياً في هذا الأمر، ولديها منظومة متطورة للتخطيط الحضري. باختصار شديد؛ فإن الجامعة كانت تدعو لخلق مراكز إبداع داخل المدن، بحيث تكون الأحياء مراكز إبداعية توفر بيئة تساعد سكان الحي على الإبداع. وحتى يكون هناك إبداع؛ فيجب أن يكون هناك تواصل مستمر بين سكان الحي، ولهذا فإن المراكز الإبداعية مراكز اجتماعية وحيوية.
وعملت الجامعة على تطوير المنطقة التي توجد فيها وهي كيندال سكوير في بوسطن، لكي تكون مركزاً إبداعياً يدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والأعمال التجارية، ويجب أن يكون هذا التخطيط جماعياً حتى تكون المنطقة جاذبة للشباب. ولهذا؛ فإن التخطيط السليم هو في وجود وحدات سكنية أصغر مع تمدد أفقي للبنيان حتى تكون فرصة التواصل أكبر بين أهل الحي، وهو ما يعزز فرصهم في التعرف بعضهم على بعض، وبالتالي تبادل المنافع والأعمال. إذا كان جارك لديه شركة إصلاح للكومبيوترات؛ فإنك ستلجأ له قبل الإنترنت... صحيح؟
عموماً ما أريد الوصول إليه هو أن «الاستدامة» مفهوم كبير، وليست جواً جميلاً وبيئة جميلة فقط. في نظري؛ مستقبل العيش في المملكة لن يكون في المدن الكبيرة؛ بل في المناطق الجديدة، مثل القدية وبوابة الدرعية و«نيوم».
وعلى المدن اللحاق بها، وعلى المطورين العقاريين إنشاء المخططات والمناطق لتكون مراكز إبداعية مثل كيندال سكوير أو ليك يونيون في سياتل. وأتمنى لو كان لدينا مطورون عقاريون مثل بول ألان (أحد أعمدة «مايكروسوفت») لكي يقوم باستثماراته الخاصة ببناء واقع جميل يعيشه الناس على الأرض.

* نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.