.
.
.
.

أزمات سلاسل التوريد

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تسببت جائحة كورونا في إغلاقات واسعة للأنشطة الاقتصادية عبر العالم؛ أوقفت عديدا من الصناعات وأضعفت النشاط الاقتصادي والطلب على السلع والخدمات. واضطرت الصناعات للتكيف مع الظروف الطارئة ووقف الإنتاج لفترات من الزمن أو خفض وتيرته. ونتج عن انخفاض وانقطاع منتجات أو سلع معينة أو أجزاء منها في بلد ما، توقف الإنتاج في مراحل تالية من صناعة المنتجات والأجهزة والمواد الوسيطة في بلدان أخرى. وتفاقمت هذه التأثيرات مع تغيرات الاقتصاد العالمي الهيكلية وانتشار شركات سلاسل الإنتاج عبر العالم. وكلما ازدادت مكونات المنتج أو الجهاز واستخداماته التقنية انتشرت أماكن تصنيع أجزائه، وارتفع تأثره باختلالات شبكة توريده.
بعد التراجع الحاد للطلب خلال الإغلاق العظيم انخفض إنتاج كثير من المنتجات، ثم عاود الطلب ارتفاعه نتيجة للتعافي التدريجي والدعم الحكومي والتسهيلات النقدية، وازداد قوة بعد تنفيذ حملات التطعيم الواسعة في الدول الاقتصادية الكبرى. وتركز نمو الطلب بشكل أكبر على شراء الأجهزة والمعدات والسيارات، وابتعد قليلا عن بعض الخدمات؛ كخدمات السفر والسياحة والترفيه؛ ما رفع الطلب بقوة على السلع والمنتجات عبر العالم. وولدت تقلبات الطلب والإنتاج الحادة إرباكا واضحا في القطاعات الصناعية وخطوط الإمداد والشحن والتخزين. ولم تتمكن بعض الصناعات من العودة إلى سابق مستويات الإنتاج بعد التعافي الاقتصادي بسبب نقص العمالة أو مدخلات الإنتاج واختلالات الشحن والنقل؛ ما ولد أزمات سلاسل التوريد.
تعاني دول متعددة ضغوطا على سلاسل الإنتاج والتوريد، حيث تعرضت الصين - مثلها مثل بقية العالم - في بداية الجائحة إلى موجة إغلاقات خفضت الإنتاج الصناعي لبعض الوقت ثم تعرضت لاحقا إلى موجة أعاصير أثرت سلبا في الشحن في موانئها. وتواجه الصين حاليا اختناقات في الطاقة الكهربائية أثرت في إنتاجها الصناعي، الذي يترابط بقوة مع القطاعات الصناعية حول العالم. كما تأثرت بريطانيا بالنقص الحاد في سائقي الشاحنات الذي ولد شحا في وفرة الوقود وعديد من السلع والمنتجات، وظهرت رفوف الأسواق البريطانية فارغة من بعض السلع والمنتجات حتى المواد الغذائية. وتواجه دول الاتحاد الأوروبي تحديات في الطاقة الكهربائية بسبب الارتفاع الحاد لأسعار الغاز الطبيعي فيها. أما في الجانب الآخر من الأطلنطي، فتعاني الولايات المتحدة ازدحام موانئ شديدا ونقصا حادا في سائقي الشاحنات وقدرات التخزين. وتسبب قدم البنية التحتية في الولايات المتحدة، ومن ضمنها الموانئ، والنقص الحاد في عدد سائقي الشاحنات، في خلل كبير في شبكات التوريد.
تفيد مصادر صندوق النقد الدولي بأن استطلاعات مديري المبيعات تؤكد تراجع مؤشرات أوقات تسليم الموردين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل حاد. ويعكس تدني المؤشر وجود معوقات توريد للسلع والمنتجات ومستلزمات الإنتاج أو طفرة في الطلب أو كليهما. وينتج عادة عن تراجع مؤشرات أوقات تسليم المنتجات وتسلم المدخلات ازدياد قدرة مزودي السلع والخدمات المتأثرة على رفع الأسعار. وهو مؤشر أيضا على حدوث اختناقات في توفير المواد الوسيطة؛ ما يعيق النمو والنشاط الاقتصادي.
خفض صندوق النقد الدولي أخيرا توقعات نموه للاقتصاد العالمي بسبب أزمة سلاسل التوريد في 2021، إلى 5.9 في المائة، لكنه أبقى على معدلات 4.9 في المائة للعام المقبل، كما خفض توقعات نمو الاقتصاد الأمريكي بنقطة كاملة هذا العام بسبب أزمة سلاسل التوريد. ويواجه العالم عجزا في بعض المكونات الحساسة كأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية الذي خفض وفرة طيف واسع من الأجهزة والبضائع المعمرة. إضافة إلى ذلك، تعاني الملاحة العالمية اختلالات في وجود الحاويات وبقائها مددا طويلة عالقة في بعض الخطوط الملاحية أو الموانئ الكبرى المزدحمة.
هناك مخاوف حقيقية من أن تتسبب اختناقات سلاسل التوريد في دفع معدلات التضخم. وتعد أزمة سلاسل التوريد مؤشرا قويا على وجود فجوة بين الطلب والعرض بسبب طبيعة الانتعاش الاقتصادي غير المسبوقة بعد أزمة كورونا. وما زالت البنوك المركزية ترى أن الأزمة مؤقتة ولم تتخذ خطوات للحد من الطلب، لكن استمرارها لفترة من الزمن سيجبر البنوك المركزية حول العالم على تبني سياسات التشدد النقدي. وتتطلب السيطرة على التضخم ضرورة حلحلة أزمة سلاسل التوريد للحد من مخاطر ارتفاع معدلاته إلى مستويات تفوق استهدافات البنوك المركزية؛ ما يقود إلى تبني سياسات نقدية متشددة ويعيق بالتالي التعافي الاقتصادي الحالي.
بالنسبة للمملكة ومنطقة الخليج لا تظهر حاليا مؤشرات على حدوث أزمة في سلاسل التوريد، لكن هذا لا يمنع تأثرها بنتائجها. ومن أبرز آثارها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتراجع وفرة بعض الواردات؛ كالسيارات والحواسيب والجوالات وارتفاع أسعارها. ويلاحظ حدوث ارتفاع قوي في أسعار السيارات خلال العامين الماضيين بما في ذلك السيارات المستخدمة. كما يلاحظ غياب العروض على هذه الأجهزة والسلع المعمرة بشكل عام. وكنا نرى في السابق عروضا كثيرة عليها، أما أخيرا فقد تلاشت بشكل تقريبي. ويمكن للمستهلكين خفض تأثرهم بتضخم الأسعار من خلال تأجيل قرارات شراء المنتجات المتأثرة لبعض الوقت حتى تنجلي آثار أزمة سلاسل التوريد. كما يتعين على المنتجين وصناع السياسات وضع نماذج وسياسات بديلة للتعامل مع أزمات سلاسل التوريد، وذلك من خلال رفع قدرات التخزين والشحن والإمداد، وإيجاد خيارات جغرافية متعددة لسلاسل التوريد، وتعميق ورفع نسب ودرجات القيمة المضافة محليا وداخل المنشآت.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.