.
.
.
.

تصنيف المملكة الائتماني والاستقرار الإيجابي

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

أكدت وكالة التصنيف الائتماني موديز في تقريرها الائتماني الأحدث عن السعودية، استمرار تصنيفها عند “A1”، فيما قامت بتعديل ورفع النظرة المستقبلية من سلبية إلى مستقرة. وأشادت الوكالة بجدارة واتساق السياسة المالية للمملكة التي عكست من خلالها قدرة عالية في سياق التعامل مع تذبذبات أسعار النفط، ومواجهة الآثار العكسية لتلك التذبذبات على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وأثبتت قدرتها على مستوى تعزيز الاستدامة المالية في الأجل الطويل.
لقد عكس التقرير الأحدث لوكالة موديز مزيدا من التأكيد لما تتمتع به المملكة من قوة مالية، بما تتضمنه من احتياطيات أجنبية عالية، إضافة إلى تدني نسبة الدين العام لديها إلى حجم الاقتصاد الوطني، وهو ما يتسق مع استهداف السياسة المالية بتعزيز الاحتياطيات الحكومية لدى البنك المركزي السعودي، وأن ترتفع بمستوياتها إلى نحو 350 مليار ريال بحلول نهاية 2022، وهو المستوى من الاحتياطيات الحكومية الأعلى مما كان مقدرا لها في تقديرات الوكالة خلال العام الماضي، والمحافظة على استمرار زيادة تلك الاحتياطيات في منظور الأجل المتوسط بالاعتماد على تحقق فوائض الميزانية المتوقع خلال العامين الماليين 2023 – 2024.
يأتي هذا التصنيف الإيجابي لوكالة موديز مؤكدا ما يتمتع به الاقتصاد الوطني من متانة واستقرار ومرونة عالية، إضافة إلى امتلاكه القدرة الكافية على تحقيق مزيد من التوسع في طاقته الإنتاجية، وبما يؤكد فعالية وكفاءة السياسات والإجراءات التي قامت ولا تزال تقوم بها حكومة المملكة، ضمن الإطار العام لتعزيز النمو الاقتصادي والتنموي على حد سواء، إضافة إلى الحزم الواسعة من الإصلاحات الهيكلية والسياسات المالية والاقتصادية الهادفة إلى تعزيز النمو الاقتصادي واستدامته، وكل ذلك يؤكد بالطبع ما يتمتع به الاقتصاد الوطني من ثقة كبيرة محليا ودوليا، وبما يعكس القوة العالية التي يتسم بها المركز المالي للمملكة، وبما يتسم به الاقتصاد الوطني من قدرة عالية تمكنه بالمتطلبات اللازمة لأجل مواصلة النمو من جانب، ومن جانب آخر تمنحه القدرة اللازمة على مواجهة مختلف التحديات محليا وخارجيا.
لا بد من الإشارة إلى أن ما تضمنه التقييم الائتماني الإيجابي للوكالة، يعد في حقيقته تقديرا مستحقا لمختلف الجهود الواسعة والكبيرة التي بذلتها الحكومة السعودية طوال الأعوام الماضية، على مستوى تعزيز الشفافية والإفصاح في المالية العامة، ودورها في رفع مستويات شفافية الميزانية العامة للمملكة في عدة مؤشرات عالمية، إضافة إلى النجاح اللافت لخطط وبرامج تنويع الاقتصاد الوطني، وآثارها الإيجابية في مستوى رفع معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد في الأجلين المتوسط والطويل، والمحافظة في الوقت ذاته على استمرار مساهمة تلك الإصلاحات التي تمت في اتجاه النمو المستمر للإيرادات غير النفطية، وهو ما يدفع إلى استمرار عمل الحكومة الدؤوب على استكمال مسيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأتها المملكة منذ خمسة أعوام، والمضي قدما على طريق تحقيق مستهدفاتها ضمن رؤية المملكة 2030، ومن ضمنها بالتأكيد العمل المستمر على مسار تطوير المالية العامة، من خلال تحقيق أهداف برنامج الاستدامة المالية، الذي يستهدف استمرار العمل المتكامل على تنفيذ مبادرات برنامج تحقيق التوازن المالي، والتحول من ثم إلى الاستدامة المالية عبر تنفيذ عديد من المبادرات والإجراءات.
وفقا لتلك السياسات المتكاملة بين السياسة المالية من جانب أول، يعتمد على حوكمة وترشيد النفقات الجارية، ومن جانب آخر السياسة الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة. يمكن القول إن الدور التكاملي لتلك السياسات سيسهم في استمرار الدعم اللازم للاقتصاد الوطني، لما يمثله ذلك الإنفاق حتى الفترة الراهنة من أهمية عالية لدعم مختلف نشاطات الاقتصاد عموما، والقطاع الخاص خصوصا الذي جنى نتيجة لتلك الجهود والسياسات المتكاملة نموا بلغ 10.1 في المائة بنهاية الربع الثاني من هذا العام.
تستمد النظرة المتفائلة سواء من هذا التقييم أو غيره من مصادر عديدة معتبرة محلية ودولية تجاه مستقبل الاقتصاد الوطني عموما، والقطاع الخاص خصوصا، مما تضمنته الملامح الرئيسة مع بدء المرحلة التالية 2021 - 2025 من مسيرة رؤية المملكة 2030، بما تضمنته من مبادرات عملاقة تم الإعلان عنها خلال العام الجاري، وبدعم كبير من الدولة - أيدها الله - وبالاعتماد على عديد من الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية، يأتي في مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة المخطط له إنفاق نحو 3.0 تريليونات ريال خلال العقد الجاري، وحالة التأهب الكاملة لاجتذاب مزيد من استثمارات القطاع الخاص بنحو 5.0 تريليونات ريال خلال العقد نفسه، وتدفقات مرتقبة بنحو 4.0 تريليون ريال تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، الأمر الذي سينعكس بمجمله على استمرار برامج وسياسات زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بما يعادل 60 في المائة منه في منظور نهاية العقد الراهن، وما سينتج عنها من اعتماد أكبر على المحتوى المحلي، إضافة إلى توسيع خيارات قنوات الاستثمار المحلية، وزيادة أعداد فرص العمل الملائمة أمام الموارد البشرية المواطنة، المقدر ارتفاع أعدادها خلال العقد المقبل بأعلى من 1.1 مليون فرصة عمل جديدة بمشيئة الله تعالى.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.