.
.
.
.

المناخ بين قمتي البرازيل واسكتلندا

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"أرحب بالتزام مجموعة العشرين المتجدد بإيجاد حلول فيما يتعلق بالمناخ والبيئة"
أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة
ينشغل العالم بمؤتمر قمة المناخ "كوب 26" الذي لا يزال منعقدا في مدينة جلاسكو الاسكتلندية، وهو الانشغال نفسه بمصير مناخ الكرة الأرضية، منذ عام 1992، حيث عقد أول مؤتمر ضخم في البرازيل تحت اسم "قمة الأرض". هذا المؤتمر شكل أساسا لكل المؤتمرات والفعاليات والمبادرات والمشاريع التي تلته وتستهدف حماية آلية والحد من التغير المناخي. وفي قمة ريو دي جانيرو التي شاركت فيها بصفتي صحافيا، أجريت حوارا مطولا مع الرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا ميتران، الذي وجه هجوما عنيفا للرئيس الأمريكي وقتذاك جورج بوش الأب، لأن الأخير رفض التوقيع على اتفاقية المناخ العالمية. كان ميتران يعتقد أن دولة مثل الولايات المتحدة يجب أن تتقدم على صعيد حماية المناخ، لا أن تشكل عائقا.
الأوضاع تغيرت منذ ثلاثة عقود إلى الآن، وباستثناء فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، الذي لم يعترف أصلا بوجود تغير مناخي، فإن الحراك نحو تحقيق الهدف الأشمل بهذا الخصوص يمضي قدما، بصرف النظر عن انتقادات صارت مفهومة من قبل جماعات حماية البيئة، التي يمكن أن نطلق عليهم العبارة الشهيرة "لا يعجبهم العجب". مواقف هؤلاء باتت متطرفة منذ أعوام، وعليهم أن يكونوا أكثر انخراطا مع المبادرات التي أطلقت لحماية البيئة عموما، ووقف التغير المناخي خصوصا. فلتحقيق الهدف، على الجميع التعاون، وعليهم أيضا أن يكونوا أكثر إيجابية، بعيدا عن الاستفزاز الذي لا يجلب لهم أي عوائد يرجونها. قمة جلاسكو للمناخ، قدمت أطروحات عملية وواقعية في آن معا، يمكن البناء عليها، وتحقيق الهدف الأهم في كل هذه الساحة، وهو الإبقاء على درجة حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية، وخفض الانبعاثات إلى أدنى مستوى للوصول إلى الحالة الصفرية لها.
المملكة قدمت أطروحات ومعها مشاريع شكلت محورا رئيسا على صعيد مسيرة حماية التغير المناخي، سواء المحلية منها أو تلك التي ترتبط بالساحتين الإقليمية والعالمية. إنها مشاريع عملاقة تصل قيمتها الحقيقية إلى 200 مليار دولار، كما أنها تتحرك نحو بقية الدول لتشجيعها من أجل تحقيق الهدف العام من كل الحراك البيئي الدولي. وفي قمة جلاسكو للمناخ، تعاطى المشاركون فيها باهتمام بالغ مع هذه المخططات السعودية. وعد جون كيري؛ المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للمناخ، أنها جزء لا يتجزأ من الأدوات التي تصنعها الأمم لحماية البيئة والمناخ. فالاستراتيجية السعودية الخضراء محليا وإقليميا دعمت (مثلا) مخطط إنهاء إزالة الغابات وانحلال التربة بنهاية العقد الحالي. ماذا حدث؟ وقع 100 رئيس على ذلك في القمة المناخية الجارية حاليا. دون أن ننسى أن الخطط الاستراتيجية التي قدمتها الرياض للقمة المشار إليها بلغت 65 مبادرة بتكلفة تتجاوز 13.3 مليار دولار.
المشاريع التي قدمت من بعض الدول متعددة، بعضها له أثر فوري وبعضها الآخر يمثل ضمانات عملية للحفاظ على المناخ بوضعيته الحالية. وهذه الأخيرة حتى التي يمكن التأسيس عليها، نظرا لاستدامتها. ومع إدارة أمريكية حالية وضعت المناخ على رأس أولوياتها على عكس سابقتها، ولا سيما أن الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول تلويثا للبيئة على مستوى العالم، فإن الخطوات نحو حماية فاعلة للمناخ تمضي قدما. مرة أخرى بعيدا عن تشاؤم بعض الناشطين. ولعل من أهم ما ناقشته قمة جلاسكو، هو آلية المتابعة في مجال تنفيذ التعهدات والالتزامات. وهذه النقطة كانت مفككة كثيرا في السابق، لأن التعهدات حتى لو أتت ضمن اتفاقيات موقعة، لم تكن تنفذ وفق ما هو موضوع لها.
منذ قمة ريو دي جانيرو للمناخ في 1992 إلى قمة باريس 2015 تغيرت المعطيات والالتزامات حتى المفهوم العام لحماية البيئة. وتكفي الإشارة هنا إلى أن رئيسا مثل ترمب كان أول قرار له عند دخول البيت الأبيض هو الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، بينما كان أول قرار للرئيس جو بايدن في الحكم هو العودة إلى هذا الاتفاق. المسار نحو حماية المناخ يمضي بصورة طبيعية. فلا يمكن أن تحقق نتائج فورية في هذا المجال الواسع والمعقد. ورغم ذلك، لا بد من رفع مستوى الاستثمارات لحماية الكرة الأرضية، بما في ذلك توفير الدعم لدول فقيرة للقيام بدورها في هذه الحماية المصيرية. أتذكر قول لفرنسوا ميتران في مقابلتي معه أثناء قمة ريو دي جانيرو: "لا يمكن أن تطلب من امرأة في بلدة نائية في إفريقيا أن تتوقف عن قطع الشجر كي تطهو الطعام لأسرتها، إلا إذا وفرت لها الوقود".
استراتيجية حماية البيئة والمناخ عبر خفض الانبعاثات وتوسيع نطاق المناطق الزراعية والغابات، ونشر أدوات الطاقة المتجددة، ووقف التلوث في مجالات كثيرة، استراتيجية شاملة تخص البشر جميعا، إلا أنه يجب على الدول المتقدمة أن تقوم بدور أكبر على صعيد تعزيز التنمية والبنى التحتية في الدول الفقيرة، لتطوير الأسس العامة قبل الخاصة لحماية البيئة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.