.
.
.
.

المواصفات المعيارية الدولية .. أهداف ومضامين

سعد علي الحاج بكري

نشر في: آخر تحديث:

تحدثنا في مقال سابق عن منظمات المواصفات المعيارية الدولية التابعة للأمم المتحدة، وركزنا خصوصا على منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO لأنها الجهة ذات المجال الأوسع في وضع المواصفات لنطاق عريض من السلع والخدمات، ولأبعاد مختلفة في شؤون إدارة المؤسسات. وغاية هذا المقال هي عرض أنواع الوثائق المختلفة لمخرجات لهذه المنظمة، وبيان أهداف وأساليب كل منها، ووضع بعض الملاحظات بشأنها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مخرجات هذه المنظمة التي تبلغ آلاف الوثائق تأتي نتيجة جهود أكثر من 250 لجنة تخصصية، وآلاف الخبراء في المجالات المختلفة، الموزعين حول العالم.
تنقسم مخرجات منظمة المواصفات المعيارية الدولية إلى ثلاثة مستويات رئيسة. يهدف المستوى الأول إلى تقديم تعريفات وتوجيهات وأدلة حول المنظمة، وشؤون التعامل معها، وتشمل مخرجات هذا القسم: وثائق تعطي إرشادات عامة Guides حول المنظمة، كما تتضمن أيضا وثائق تنتج عن اتفاقيات تتم عبر ورش عمل دولية IWA ترتبط بالمنظمة في المجالات المختلفة. أما المستوى الثاني فيهتم بطرح معلومات أساسية Information مفيدة في شؤون المواصفات المعيارية، في المجالات المختلفة، وتتمثل مخرجات هذا القسم بما يعرف بالتقارير الفنية TR للمنظمة.
ونصل إلى المستوى الثالث الذي يهدف إلى تقديم معايير Normative، في المجالات ذات العلاقة، ينصح أو يطلب الاهتمام بها والعمل على تنفيذ مضامينها. وتشمل مخرجات هذا القسم: وثائق تعطي مواصفات متوافرة للجميع PAS تستجيب لمتطلبات السوق، ووثائق تطرح مواصفات فنية TS، إضافة إلى وثائق المواصفات المعيارية IS، وهي الوثائق المعيارية الأهم التي تقدم مرجعية دولية لنشاطات ومخرجات المؤسسات في المجالات المختلفة. وسنلقي بعض الضوء فيما يلي على المستويات الثلاثة لمخرجات منظمة المواصفات المعيارية الدولية، ومضامين الوثائق الست المختلفة التي تقدمها.
إذا بدأنا بوثائق المستوى الأول، وبالذات وثائق الإرشادات العامة Guides، نجد أن هذه الوثائق تستهدف كتاب المواصفات وتقدم إليهم النصائح بشأن كيفية عرض المواصفات، كما أنها تستهدف أيضا هيئات المواصفات في الدول المختلفة، لتقدم إليها الإرشادات اللازمة حول كيفية التعامل مع المعايير والاستجابة لمتطلباتها. ومن أمثلة هذه الوثائق، الوثيقة ISO Guide 82 التي تطرح موضوع كتابة المواصفات بطريقة سليمة، والوثيقة ISO/IEC Guide 21 التي تبين أسلوب تبني المواصفات الدولية في الدول المختلفة، وقد تم إعداد هذه الوثيقة من قبل منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO، بالتعاون مع الهيئة الدولية للتقنية الكهربائية IEC.
ونبقى في المستوى الأول، لننتقل إلى وثائق الاتفاقيات التي تجري عبر ورش العمل الدولية IWA، التي ترعاها المنظمة، وليس من خلال اللجان الفنية للمنظمة. وتجمع مثل هذه الورش عادة أطرافا تشمل القائمين على السوق في الموضوع المطروح من جهة، وأطرافا أخرى من أصحاب العلاقة بهذا الموضوع من جهة أخرى. وغايتها من ذلك هي تحقيق التوافق فيما بينهم، مع المحافظة على حدود الجودة والأمن ومرونة العمل المشترك مع المنتجات ذات العلاقة. وتوثق المنظمة مثل هذه الاتفاقيات للتطبيق العملي، لمدة تصل إلى نحو ستة أعوام. وقد يجري تجديد مثل هذه الاتفاقيات عبر ورش عمل جديدة، أو تنتهي مع نهاية مدتها.
وننتقل إلى المستوى الثاني الخاص بوثائق التقارير الفنية TR التي تحتوي على معلومات أساسية تختلف، في طبيعتها، عن معلومات الوثائق السابقة. وتتضمن هذه المعلومات بيان أسس وضع المواصفات المعيارية في المجالات المختلفة، وآخر ما تم التوصل إليه من منجزات بهذا الشأن. وتشمل هذه المعلومات أيضا عرض دراسات تطبيقية مسحية، في الموضوعات المطروحة، توفر صورة واقعية لمضامينها. ويضاف إلى ذلك أي معلومات أخرى تعزز الأساس المعرفي لإعداد المواصفات المعيارية في شتى المجالات.
ونصل إلى المستوى الثالث، والفروع الثلاثة لوثائقه. تحمل هذه الوثائق هدفا مشتركا يتمثل في تحديد مضامين المواصفات المعيارية. فغاية وثائق المواصفات المتوافرة للجميع PAS هي الاستجابة لمتطلبات السوق المستعجلة، ويتم تحديد هذه المتطلبات من قبل خبراء يتفقون على الحاجة السريعة إليها ومضامينها. وبناء على ذلك يتم إعداد مثل هذه الوثائق للاستخدام بسرعة. ولا تقتصر فوائد مثل هذه الوثائق على الاستجابة السريعة للمتطلبات، بل تشمل أيضا التأسيس لكل من وثائق المواصفات الفنية TS، ووثائق المواصفات المعيارية الدولية IS، في إطار المستوى الثالث.
تعد وثائق المواصفات الفنية TS وثائق أولية تمهد لوثائق المواصفات المعيارية الدولية IS. ورغم أن هذه الوثائق تصدر للاستخدام الفعلي من قبل المهتمين، إلا أنها تبقى غير نهائية، وتخضع لاقتراحات التعديل والتطوير المستمر، إلى أن تنضج وتتطور لتصبح مواصفات معيارية دولية IS. وتشمل وثائق هذه المواصفات قواعد وإرشادات وخصائص تعبر عن مضامين معطيات تشمل: سلعا أو خدمات أو إجراءات في المجالات المختلفة المطروحة. والغاية هنا هي أن تمكن هذه المواصفات المعيارية المعطيات المطروحة من تحقيق الأهداف التي طرحت من أجلها، بالشكل المأمول. وقد تشمل هذه المواصفات: أساليب لإجراء اختبارات وتجارب، وصفات فنية، وضوابط إدارية، وغير ذلك من معطيات تحتاج إليها السلع والخدمات والإجراءات.
وهكذا نجد أن وثائق مخرجات منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO تستند إلى تكوين هرمي متدرج يبدأ بالتأسيس لشؤون المنظمة وعملها ونشاطاتها، وينطلق، بعد ذلك، نحو تقديم معلومات أساسية حول المعايير في المجالات المختلفة، ثم يتوج ما سبق بالمواصفات المعيارية في هذه المجالات. وفي إطار هذا التكوين، تسعى هذه الوثائق إلى الارتقاء بالسلع والخدمات والإجراءات في شتى المجالات، والوصول بها إلى مستوى مرض من الجودة والأمان على مستوى العالم بأسره. ويفيد تطبيق هذه المواصفات حول العالم في تعزيز العمل المشترك والتعاون الدولي في شتى الحقول التي تمتد إليها يد المواصفات المعيارية الدولية، حيث تكون هناك مرجعية موحدة للجميع. لكن هذه المرجعية، رغم أهميتها، بل ضرورة استيعابها، تبقى غير ثابتة، وخاضعة للنقاش والتطوير نحو الأفضل، والتحديث المستمر دون حدود، حيث تستطيع بذلك الاستجابة إلى التغيرات المستمرة والمتسارعة التي يشهدها هذا العصر.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.