.
.
.
.

رجل الطاقة

د. عبدالله الشعلان

نشر في: آخر تحديث:

إذا ذكر البترول عصب الطاقة وشريانها الرئيس فإن أول ما يقفز إلى الذهن هو اسم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، لقد عرفناه وشاهدناه وألفناه في كل شأن يتصل بالطاقة والبترول رجلاً أريبًا مهيبًا هُمامًا مقدامًا، له حضور ومواقف وجولات وصولات وسجال في كل محفل واجتماع، وفي كل نادٍ وملتقى، ولم يكن ذلك المراس بالطبع إلا نتاج خلفية عميقة وتجربة ممتدة وخبرة واسعة في شؤون البترول وقضاياه وسياساته وتقلباته وتعقيداته المتشابكة.

نشأ ذلك المراس ونما وترعرع خلال حقبة من الزمن تنوف عن عقود ثلاثة قضاها سموه الكريم بدءًا في وزارة البترول والثروة المعدنية (آنذاك)، متسنّمًا فيها أعلى المناصب والمهام والمسؤوليات المتعددة وصولاً لأن يكون على رأس الهرم لوزارة الطاقة. لقد كان لسموه الكريم دور كبير وإسهام جليل في مؤتمرات وندوات ولقاءات متكررة عاصرت قضايا جوهرية حساسة، نذكر منها على سبيل المثال: مبادرة السعودية الخضراء التي أعلن عن تفاصيلها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في أكتوبر 2021، التي تسعى للإسهام بتعزيز جهود رفع مستوى جودة الحياة، وإلى توحيد جميع الخطط الرامية إلى تحقيق الاستدامة في المملكة، مع ضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة، وتخفيض الانبعاثات، ومكافحة التغيُّر المناخي، مع العمل في الوقت ذاته على التخفيف من نسبة انبعاث الكربون بل وتدويره وإعادة استخدامه من خلال تبني التقنيات الحديثة والطرائق المستجدة والسياسات المتوازنة.

كذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الزرقاء وما سيلعبانه من دور محوري في سياسات الطاقة العالمي على المستوى الاقتصادي والمستدام، حيث تسخر المملكة قدراتها الكامنة وإمكاناتها المتاحة في منظومة الطاقة لدعم تطوير صناعة الهيدروجين والأمونيا في المملكة من أجل تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتحسين كفاءة الاستهلاك والريادة في أسواق الطاقة العالمية لما تنعم به المملكة بفضل الله من مكانة بارزة وثقل اقتصادي ودور ريادي في أسواق الطاقة المتجددة، حيث تتوفر لديها العوامل والإمكانات الاقتصادية والبيئية اللازمة لإنتاج الطاقة المتجددة بأشكالها المتعددة، مما يحافظ على الموارد الحالية وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتلبية متطلبات الحياة للأجيال المقبلة.

ومن المساهمات المهمة لسمو الأمير الوزير هي تلك التي تبدَّت في مؤتمر الدول ذات العلاقة والشراكة بتغير المناخ الذي انعقد في مدينة غلاسكو الأسكتلندية خلال الفترة من 31 أكتوبر – 12 نوفمبر 2021، وهو أحد مؤتمرات الأمم المتحدة المهمة التي تركز على قضايا تغيُّر المناخ لمناقشة الاتفاقية الإطارية بشأن التغير المناخي، وسبل تقليل الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2030، والمساعدة في تحسين الحياة في كوكبنا في ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري ومن أجل تفادي كارثة مناخية تبعًا لذلك.

ولقد كان لسموه الكريم الدور الفاعل والمؤثر في ذلك المؤتمر نحو توحيد الجهود لتطبيق الاتفاقية الإطارية لاتفاقية باريس للتغير المناخي وتبني مبدأ المسؤولية المشتركة أخذًا في الاعتبار الظروف المتباينة بين الدول والعمل المتكاتف بينها؛ للتصدي لتلك الآثار السلبية الناجمة عن السياسات المتعلقة بالتغير المناخي من دون أن يؤثر ذلك على تعطيل مسيرتها نحو تنميتها المستدامة أخذًا في الاعتبار الظروف الخاصة التي تواجهها تلك الدول الأقل نموًا، ولعل ما تسعى إليه تلك الدول هو تحقيق الهدف المأمول وهو "الحياد الصفري" للانبعاثات بحلول عام 2050 ومن أجل إبطاء عملية الاحتباس الحراري، وعدم تجاوز سقف 1,5 درجة مئوية لتجنب أخطر عواقب التغيّر المناخي. أما معنى "الحياد الصفري" فيعني عدم إضافة كميات جديدة من الغازات الدفيئة إلى الجو. ما يعني خفض الانبعاثات إلى أدنى حد ممكن، إذ إن من المرجًّح أن يصل العالم إلى حد مؤشر درجة الحرارة العالمية الذي حدده علماء المناخ، في واحدة من السنوات الخمس المقبلة. وتعد (1.5 درجة مئوية) الحد الأدنى لدرجة الحرارة العالمية التي حددتها اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ التي دعا العلماء إلى عدم تجاوزها من أجل درء أسوأ آثار تغير المناخ في الكرة الأرضية. ولقد أبان سمو وزير الطاقة أن الطابع العالمي لتغيُّر المناخ يتطلَّب استجابة دولية مشتركة وفاعلة، ونجاح هذه الاستجابة يكمن في تحقيق ثلاث ركائز أساسية، أولها أمن الطاقة، وثانيها التنمية الاقتصادية التي تكفل رفاهية الشعوب، وثالثها التصدي لتحديات التغير المناخي، ويجب أن تُراعى هذه الركائز جميعها معًا، من دون إخلال بواحدة من أجل أخرى، مع أهمية الإقرار بتعدد الحلول لمعالجة مشكلة التغير المناخي من خلال التركيز على الانبعاثات الكربونية كما وردت في اتفاقية باريس، ودون التحيز تجاه مصدر من مصادر الطاقة دون الآخر.

إننا لنشيد بجهوده الحثيثة وإخلاصه المتفاني وحضوره الدؤوب في المنتديات والمحافل الدولية، لإيصال صوت المملكة التي ينظر إليها العالم أجمع كمحرك فاعل وشريك مؤثر في أسواق الطاقة، وليثبت أنه الربان الماهر لإدارة دفة هذا المرفق المهم لاقتصادنا الوطني ونهضتنا الصناعية في هذا العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.

* نقلا عن جريدة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.