.
.
.
.

المصرفية المفتوحة في المملكة.. من الخدمة التقليدية إلى الابتكار المالي

يحيى الجدران

نشر في: آخر تحديث:

كان قطاع التكنولوجيا المالية مع انطلاقةٍ حقيقيةٍ بعد انتشار حُمَّى الابتكارات التقنية المُتقدِّمة في عشرية 2011، حيث أصبح من طموحات المشاريع المالية -مثل البنوك- استغلال تكنولوجيا محاكاة ذكاء البشر من خلال الآلة؛ أو ما بات يُسمَّى: “الذكاء الاصطناعي” “Artificial Intelligence”.

ويمكن اعتبار أنَّ التكنولوجيا المالية قد مرَّت بمراحلٍ لكلٍّ منها خصائصٌ مميَّزةٌ جداً:

المرحلة الأولى هي مرحلة استخدام الحاسب الآلي والشبكات الافتراضية في تقديم الخدمات المصرفية؛ مثل البطاقات المصرفية.

المرحلة الثانية وهي مرحلة الإنترنت التي سمحت بتشبيك الخدمات المصرفية عالمياً، لكن تحديات الأمن السيبراني تظهر في هذه المرحلة بشكلٍ كبيرٍ.

المرحلة الثالثة وهي مرحلة تسخير ذكاء الآلة الاصطناعي في تقديم خدمةٍ ماليةٍ مبتكرةٍ للعملاء عبر الإنترنت؛ أي أنَّها مرحلة تَجمَعُ في مضمونها جميع مكتسبات المراحل السابقة، وقد أصبح مصطلح: “فنتك FinTech“ أكثر انتشاراً مع هذه المرحلة، وهو اختصار لمصطلح: “التكنولوجيا المالية” “Financial Technology”.

وفي ظلِّ السعي نحو تحقيق رؤية 2030 في المملكة، كانت الطموحات التكنولوجية من أبرز القطاعات التي تطمح المملكة إلى تنميتها، ليس هذا فقط، بل إنَّ الطموح يصل إلى حدود ربط المكتسبات التقنية بالقطاع المالي.

بناءً عليه، فقد ظهرت فكرة: “فنتك السعودية FintechSaudi“، وهي مبادرةٌ طموحةٌ من البنك المركزي السعودي، تهدف إلى تعريف المجتمع بالمسائل المرتبطة بهذه التكنولوجيا، وكيف يمكن أن يتمَّ تسخيرها في تنمية القطاع المالي.

وفي تقرير فنتك السعودية لعام 2021، أطلقت هذه المبادرة مشروعاً طموحاً جداً، ألا وهو: “المصرفية المفتوحة” باستخدام شبكة الإنترنت.

وقد عرَّفت المبادرة هذا المصطلح، كما يلي:

“تمكين العملاء من مشاركة بياناتهم المالية المسموح بمشاركتها مثل: المعلومات البنكية بشكلٍ آمنٍ مع مُزوِّدي الخدمات الخارجيين (أطراف ثالثة) الموثوقين مثل البنوك وشركات التقنية المالية، وتتيح المصرفية المفتوحة للأطراف الثالثة من مزوِّدي الخدمات الخارجيِّين فرصة الاستفادة من بيانات العملاء المالية من أجل تطوير منتجاتٍ وخدماتٍ مُخصَّصةٍ ومبتكرةٍ“ (التقرير، صـ4).

يمكن تحليل “المصرفية المفتوحة” كما جاءت في مبادرة فنتك السعودية، كالتالي:

تعتمد المصرفية المفتوحة على بيانات العملاء المالية، والتي تتضمَّن ما يتعلق بالعملاء، والتي يتم تسجيلها على شكل بياناتٍ بنكيةٍ خامٍّ، يسمح البنك المركزي بمشاركتها.

يتمثَّل النشاط الأولي في المصرفية المفتوحة بتقديم العملاء لبياناتهم المالية إلى: “أطراف ثالثة”؛ وهي أطرافٌ غير العميل وبَنْكِهِ، تتمثَّل بشركات يقوم نشاطها الأساسي على تطوير المنظومات التقنية المالية، لكن يجب أن تكون هذه الأطراف موثوقةً، وهنا يُفضَّل أن يصدر بها لائحةٌ معتمدةٌ من البنك المركزي.

ثم تأتي مرحلة معالجة البيانات من شركات التقنية المالية أو الطرف الثالث الذي يُعتَبَر في هذه المرحلة عبارةً عن مُزوِّد خدماتٍ خارجيٍّ عن المنظومة البنكية التقليدية، وهنا يسعى هذا المزوِّد إلى إيجاد حلولٍ ماليةٍ بناءً على معالجة بيانات العملاء.

فمثلاً إذا تبيَّن من البيانات وجود عدد طلباتٍ كبيرٍ للتمويل في التمويل العقاري دون وجود ضماناتٍ مناسبةٍ، وفي الوقت نفسه تبيَّن وجود عددٍ كبيرٍ من الضمانات المنقولة المودعة في البنوك على شكل سيولةٍ جامدةٍ؛ فيمكن أن تقوم شركات التقنية المالية بإنشاء منصَّةٍ تربط بين طالبِي التمويل وبين أصحاب الضمانات المنقولة بغرض تيسير تقديم التمويل من جهةٍ، وتحقيق أصحاب الضمانات لاستثمار في المخاطر المالية من جهة أخرى.

وفي النهاية، يمكن للبنك أن يستخدم أيضاً الحلول التكنولوجيا المالية في تطوير خدماته، فيمكن لهذا البنك أن يَشتَرِكَ مثلاً في المنصَّة الافتراضية للتمويل والضمانات المنقولة المذكورة.

وهكذا، اعتبرت مبادرة فنتك السعودية أنَّ المصرفية المفتوحة يمكنها تحقيق ما يلي:

تمكين المؤسَّسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص؛ وهو من الأدوار الجوهرية لهذه المؤسَّسات، لكنَّه سيكون أكثر مرونةً وسرعةً ودقةً مع التكنولوجيا المالية.

تطوير سوقٍ ماليةٍ مُتقدِّمةٍ، وهذا على إطار الائتمان بكافَّة صوره ومُدَّةِ مَنْحِهِ، كما أنَّ تطوير هذه السوق يَسمَحُ بنقل الابتكار المالي إلى نطاق سوق الأوراق المالية طويلة الأجل “تداول”.

تعزيز وتمكين التخطيط المالي؛ حيث إنَّ توافر البيانات المالية بشكلٍ ضخمٍ والقدرة على معالَجَتِهَا بشكلٍ دقيقٍ، وبما يخدم الرؤية الاستراتيجية المطلوبة، هو بالضبط ما كان ينقص التخطيط المالي في القطاع المصرفي.

لكن في جميع الأحوال، يجب ألاَّ تقود القطاع المصرفي حمَّى التكنولوجيا المالية دون توفير الضمانات التالية:

تجهيز بنيةٍ تحتيةٍ من تقنية المعلومات بما يكفل، ليس فقط تقديم الخدمات بشكلٍ افتراضيٍّ، بل أيضاً تخزينها ومعالجتها ونقلها واستقبالها.

فرض منظومةٍ صارمةٍ للأمن السيبراني المصرفي، بما يُضَيِّقُ قدر الإمكان من الثغرات في منظومة تبادل البيانات المالية.

فتح سجلٍّ لنشاط الأطراف الثالثة التي ستقوم بنشاط مُزوِّد الخدمات، بحيث يُمكن التعرف على هذه الأطراف، وتحديد طبيعة الترخيص لها، واستكشاف تاريخ خدمتها وما إذا كان يحتوي على مخالفاتٍ سابقةٍ.

وفي النهاية، يبدو ضرورة توافر هذه الضمانات التنظيمية قبل انطلاق خدمة المصرفية المفتوحة في النصف الأول من عام 2022، وهو ما يَفرِضُ ضرورة تسريع الخطى فيما تبقى من عام 2021 للتجهيز لمرحلة الانطلاق، والله الموفِّق.

* نقلاً عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.