.
.
.
.

التفعيل الكامل لحلول التضخم العقاري

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

لفهم أهمية التفعيل الكامل للحلول اللازمة لمعالجة التضخم في أسعار الأراضي والعقارات خلال الفترة الأخيرة، لا بد من التعرف على أبرز التطورات التي حدثت في السوق العقارية المحلية خلال الفترة 2015 - 2021، وسيفيد كثيرا للتأكد من أهمية تفعيل الحلول المتوزعة على جانبي العرض والطلب، وتتلخص أهم التطورات العقارية المشار إليها هنا فيما سيأتي.
الجانب الأول (الأسعار): مرت بموجتين من التغيرات: الموجة الأولى التي سبقت نهاية 2018 وتخللها عديد من القرارات والإجراءات والتطورات الاقتصادية، كان من أبرزها انخفاض أسعار النفط بأكثر من 60 في المائة منذ منتصف 2014، ثم إقرار أنظمة التمويل من البنك المركزي السعودي مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، ثم صدور توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بإقرار الرسوم على الأراضي البيضاء في 15 آذار (مارس) 2015، ثم إقرار مجلس الوزراء للنظام برسم سنوي يبلغ 2.5 في المائة من قيمة الأرض في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ثم أقر المجلس اللائحة التنفيذية للنظام في 14 حزيران (يونيو) 2016 وتوالت بعدها مراحل تنفيذ المرحلة الأولى في كل من الرياض وجدة والدمام ولاحقا في مكة المكرمة، ولا يزال تطبيق النظام قائما عند تلك المرحلة حتى تاريخه، أدت هذه المتغيرات وغيرها من عوامل أخرى رئيسة إلى انخفاض المتوسط العام لأسعار الأراضي السكنية بنسبة 24.1 في المائة، والفلل السكنية بنسبة انخفاض 26.1 في المائة، والشقق السكنية بنسبة انخفاض 18.5 في المائة.
ومع مطلع 2019 بدأت الموجة الثانية من التغيرات السعرية التي قاد زمامها التحفيزي على جانب الطلب تسهيل الحصول على القروض العقارية للأفراد، وصل حجمها حتى نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، إلى نحو 334 مليار ريال (97.9 في المائة من إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني)، وتحت التضاؤل المتدرج لتأثير المرحلة الأولى من نظام الرسوم على الأراضي في أربع مدن فقط، دخلت الأسعار موجة صاعدة غير مسبوقة، أظهر مسارها الصاعد حتى نهاية الأسبوع الماضي، تسجيل المتوسط العام لأسعار الأراضي السكنية ارتفاعا بلغت نسبته أعلى من 61.4 في المائة، وللفل السكنية ارتفاعا بنسبة 24.2 في المائة، وللشقق السكنية ارتفاعا بنسبة 36.6 في المائة، ولا تزال وتيرة الارتفاع في الأسعار هي السمة الغالبة على السوق العقارية حتى تاريخه.
الجانب الثاني: المتعلق بالمحركات الرئيسة للسوق من أنظمة وإجراءات وعوامل، على جانب الطلب: الذي كان من أهم المؤثرات فيه إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء بهدف: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية. إلا منهجية تنفيذه ظلت عند أول خطوة لها منذ نحو ستة أعوام، ولم تواكب في سرعتها سرعة التغيرات التي حدثت في جانب الطلب بزيادة قدرتها الكبيرة بالاعتماد على القروض العقارية (334 مليار ريال)، ولهذا جاءت حصيلتها أقل بكثير مما كان مخططا له بموجب الأهداف الثلاثة الرئيسة من النظام، حيث وصل الإنفاق من متحصلات الرسوم طوال الأعوام الماضية حتى 21 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إلى نحو 1.97 مليار ريال (نحو 0.5 في المائة من إجمالي القروض العقارية الممولة لجانب الطلب)، تم صرفها على البنى التحتية لـ 22 مشروعا للإسكان في مختلف المناطق، فيما وصل إجمالي مساحة ما تم تطويره من الأراضي المشمولة بالنظام إلى نحو 16 مليون متر مربع (أي: بما لا تتجاوز نسبته 3.6 في المائة من إجمالي مساحة الأراضي المشمولة بالنظام (438.2 مليون متر مربع).
تظهر المقارنة هنا بين الجانبين الرئيسين أعلاه، كثيرا من تفسير تطورات السوق العقارية المحلية طوال الأعوام الماضية، مع التأكيد على أهمية عديد من العوامل الأخرى التي لم يتسع المجال هنا لذكرها، إلا أنها تظل أدنى بكثير من تأثير ما تقدم استعراضه بصورة مختصرة جدا أعلاه. إنما يأتي التأكيد هنا على هذين الجانبين للوصول عن بينة من الأمر، وللوصول إلى رؤية أكثر شمولية إلى أهم الحلول اللازم توافرها خلال الفترة الراهنة، لمعالجة أسباب التضخم الراهن في الأسعار من جانب، ومن جانب آخر أكثر أهمية العمل بكفاءة أكبر على تسريع تحقق مستهدفات البرنامج السكني لرفع معدلات التملك لدى المواطنين، وتسهيل تحقق ذلك وفق أسعار أكثر عدالة وأقل تكلفة عليهم، ودون الحاجة إلى ارتفاع حجم المديونيات البنكية على كاهلهم، ولخفض حجم الدعم الحكومي اللازم لذلك إلى أدنى مستوى ممكن، وهي المستهدفات التي لا بد من تحققها وتسخير الموارد والجهود كافة لأجلها، لهذا سيكون من أهم وأبرز الحلول الواجب العمل على تنفيذها خلال الفترة الراهنة ما سيأتي ذكره تاليا.
أولا: الإسراع باستكمال بقية المراحل التنفيذية (الثانية والثالثة) في المدن الرئيسة بما لا يتجاوز العامين المقبلين، وتكرار المنهجية نفسها بالنسبة لبقية المدن الأخرى التي سيبدأ تنفيذ المرحلة الأولى فيها خلال الفترة الراهنة، حيث لا يتجاوز عمر تنفيذ المرحلة الواحدة سقف عامين، وذلك استهدافا لرفع كفاءة النظام، وزيادة نتائجه الإيجابية بتحرير أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السكنية، التي تلبي الاحتياجات التنموية عاما بعد عام، وبما يجعلها مواكبة لسرعة البرامج التنموية العملاقة الجاري العمل عليها حتى نهاية 2030.
ثانيا: التركيز بدرجة أكبر على منهجية التمويل العقاري الراهنة، وضرورة العمل من قبل البنك المركزي السعودي على رفع مستويات حماية المستفيدين من التمويل من أي مخاطر مالية ومعيشية قد يواجهها أي مستفيد، بدءا من إحكام الضوابط المتعلقة بالأقساط مستحقة السداد شهريا، وألا تتجاوز في أقصى حدودها نسبة الـ 30 في المائة من صافي الأجر الشهري الذي يتسلمه المستفيد، وبما يسمح للمستفيد المقترض الاستفادة من الـ 70 في المائة من صافي دخله للادخار منه والإنفاق على توفير متطلباته المعيشية، وهو الأمر الذي سيخدم بدوره في دائرة أوسع نطاقا الاقتصاد الوطني عموما، والقطاع الخاص خصوصا، كونه القطاع المستهدف برفع مساهمته في الاقتصاد الوطني، وأن يكون صاحب النسبة الأعلى من حيث المساهمة في تلبية احتياجات الاقتصاد والمجتمع من السلع والمنتجات والخدمات.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.