.
.
.
.

الصراع على الفضاء والنظام النقدي العالمي

عبدالعزيز المزيد

نشر في: آخر تحديث:

لا شك أن هناك صراع قائم بين الولايات المتحدة الأمريكية، والصين الشعبية حيث أن هذا الصراع قائم على السيطرة على المرحلة المقبلة للنظام النقدي العالمي، وهناك محاولة للسيطرة على التطور المتسارع في فضاء التقنية، وهناك كذلك محاولة مجموعة معينة أخذ مرحلة النظام النقدي العالمي إلى مرحلة متقدمة.

الصين تعمل على نظام التقنية المالية “الفنتك”، وبالخصوص العملات الافتراضية كأحد وسائل التداول المالي الحديثة، والتي انتشرت في كثير من دول العالم، وبالمقابل أمريكا متخوفة على المدى البعيد من هذا النظام الجديد، ولا يخفى علينا أن امريكا مسيطرة على النظام النقدي العالمي الحالي.

الصين بطبعها تعمل بصمت في أي مجال، ومن ضمنها مجال النظام النقدي العالمي ففي البداية تعمل وبصمت وعند الانتهاء من مشروع معين تضع التشريعات، والضوابط، والقوانين للمشروع التي قامت بعمله.

تقوم الصين على تطوير البنية التحتية بخصوص التقنية المالية “الفنتك ” حيث أن هذا العمل قائم بشكل متسارع، ومنذ 2019م، وعند الإطلاع على خطة الصين بخصوص التقنية المالية نجد أنه تم ذكر البيانات Data 60 مرة، وتم ذكر العملة Currency مرتين فقط، وذلك يعطي انطباع أن اعتماد الصينيين بالمستقبل على البيانات وليس المال.

الصين توجهت إلى إصدار عملة رقمية لكن لا تعتمد على خاصية سلسلة الثقة ” البلوكتشين” بمعنى التوجه إلى العملة الرقمية لكن بنظام مقنن، وبطريقة عدم المشاركة وهذا مماثل تقريبًا لآلية العمل في مملكة البحرين حيث عمل البنك المركزي البحريني على خاصية عدم المشاركة لكن بالوقت نفسه معرفة المشاركين حيث تكون عمودية للمتعاملين -الند للند -لا يعرفون بعض، وهناك خصوصية، وهو المطلوب، وبالمقابل أفقيًا البنك المركزي لديه تحكم ومعرفة عن صاحب المحفظة الفردية، والتحويلات.

إن الصين قلقة من الشركات الكبيرة التكنولوجية التي توفر خدمات الدفع للمواطنين، وهذا التخوف ينحصر في ماذا لو خرجت بعض هذه الشركات خارج الخدمة؟

في الصين يستخدمون للدفع شركات دفع كثيرة ومن أبرزها وأهمها علي باي “Alipay” و وي تشات باي “we chat pay” وأجبرت الحكومة شركات الدفع على قبول عملة الصين الرقمية الجديدة (عملة رقمية مركزية وبالمقابل البيتكوين وأخواتها عملات رقمية لا مركزية) لأنها شرعية وقامت الحكومة بإعطاء المواطنين ما يقارب 60 ريال سعودي على هيئة نقود رقمية للاستخدام؛ وذلك لتعزيز العملة الرقمية الجديدة ومعرفة الشعب الصيني بجميع طبقاته بوجود العملة الرقمية الجديدة.

كما نعلم فإن العملات الرقمية هي من أصل رقمي وليس لها كيان مادي ملموس حيث يتم إنتاجها بواسطة العديد من البرامج الحاسوبية الأخرى ،والتي لا تخضع بالطبع إلى السيطرة ،والتحكم بها من أي جانب من الجوانب سواءً كان البنك أو الحكومة عن طريق البنك المركزي كما أنها أيضًا تعمل كوسيط حتى تتم عملية التبادل ،والتعديل وفقاً لمبدأ الند بالندـ ويكون كل ذلك من خلال اعتمادها على عملية الرقمنة ،وتكنولوجيا المعلومات، ويعتبر المثال الأكثر شيوعاً للعملات الرقمية في وقتنا الحاضر هو عملة البيتكوين والتي يعود ظهورها إلى عام 2009م.

الصين تحاول أن تكون الأولى وتبني نظام خاص بها وكالعادة بصمت وعند الانتهاء تقدمة للعالم حيث من يأتي بعدها يتم بنائه على الأساس وهو الأساس الصيني وتكون الفائدة للنظام الرقمي الصيني. ” لا حظ بهدوء وأمّن موقعنا لا تكشف قدراتنا وانتظر فرصتنا. كن ماهرًا في التصرف دون لفت الانتباه، ولا تدعي الزعامة أبدًا” – من هذه المقولة التي أطلقها الزعيم” دنغ شياو” نجد أن الصين مراوغة، وتخفي جميع أسرارها، وتقوم باتباع خطوات محسوبة وتريد بالمستقبل أن تهيمن على العالم، والتفرد على قمة النظام الدولي منتصرة على دول أوروبا، وأمريكا بالخصوص.

مع التطورات الاقتصادية بالعالم، وصعود قوى اقتصادية إلى القمة، وخفوت ضياء قوى سابقة عن الساحة حيث صعود بعض الدول يكون على حساب الدول الأخرى في نفس المساحة مثل ما حصل مع صعود امريكا مقابل نزول بريطانيا، ومن هذه الاقتصادات هو الاقتصاد الصيني، والتي تهدد الاقتصاد الأمريكي حيث احتلت المرتبة الثانية عالميًا بناتج محلي إجمالي تجاوز 14 تريليون دولار.

نلاحظ أن الصين دولة صاعدة ،وقوتها تتنامى بتسارع إلى القمة على الصعيد الدولي في جميع المجالات ،وبالخصوص المالي ،وذلك يمثل خطرًا واضحًا على مستقبل أمريكا ،وبالخصوص الصناعات الأمريكية مثل قطاع الروبوت ،والفضاء ،والذكاء الاصطناعي، لأن الصين متسارعة في تطورها التكنولوجي والتي من الممكن أن تصبح الوحيدة والرائدة في عالم الاتصالات وخوض الحرب مع أمريكا بخصوص عالم الاتصالات وبالخصوص بال5G ،ويدخل من ضمنها المدن الذكية ،والصناعات المتطورة ،والطيران ،وصناعة الروبوت حيث قدرت هذه التكنولوجيا الجديدة ال5G قيمتها الاقتصادية ب12 تريليون دولار بنهاية عام 2035.

أخيرًا، تسعى الصين أن يكون لها مركز مالي عالمي ينافس أمريكا أو بريطانيا لكن هناك تحديات ،ومشاكل تواجه الاقتصاد الصيني وبالرغم انها في المركز الثاني خلف الأقتصاد الأمريكي لكن الأقتصاد الصيني ” اليوان” بعيد عن الدولار الأمريكي عند المقارنة من حيث مساهمته في المعاملات المالية الدولية وبالرغم من الحروب الاقتصادية بين البلدين من خلال الضرائب ،والجمارك ،والحماية الاقتصادية والفوائد، وخفض العملات إلا أن المصالح المشتركة بين البلدين تفرض عليهما التعاون المشترك ،والمستمر واجتناب كل ما يضر مصلحة البلدين وبخصوص هذا الأمر الصينيين جيدين ويعرفون كيف يتعاملون مع هذا النوع من الأزمات للحصول على أهدافهم.

* نقلاً عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.