هل الربحية عامل مشترك يجمع بين العلامات التجارية والاستدامة؟
يركز مفهوم الاستدامة على ثلاث ركائز أساسية تغطي الجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية لحياتنا، أو يمكننا – إن جاز التعبير - قول أن هذه الركائز تتمثل بكل من الناس والكوكب والأرباح في حال أردنا تقديم وصف دقيق خارج إطار التسميات الرسمية. وفي إطار سعيها المستمر في سبيل الوصول إلى مستقبل مستدام، غالباً ما تغفل الشركات عن أهمية الركيزة الثالثة المتمثلة بالأرباح.
وبهدف الامتثال للضغوط المتنامية التي يفرضها المستهلكون والجهات التنظيمية والحكومات والمستثمرون، تتجه العديد من الشركات حول العالم نحو الالتزام بتعهدات وإطلاق برامج ومبادرات جديدة لتخفيض تأثيرها البيئي. وتمهد هذه الخطوات الطريق نحو إحداث تغيير حقيقي، وبالتالي إرساء الأسس لعالم أكثر استدامة.
ولكن المشهد الحالي لا يرقى للمستوى المأمول في ظل غياب الابتكار والتميز مع ظهور أعداد هائلة من المبادرات الخضراء المستنسخة والمتشابهة شكلاً ومضموناً، مع وجود بضع استثناءات قليلة تشمل عدداً محدوداً للغاية من الالتزامات أو المبادرات التي أطلقتها مجموعة من العلامات التجارية. وتسعى معظم علامات السلع الاستهلاكية سريعة التداول إلى تقليص مستويات استخدام المواد بنسبة 25%، كما تلتزم غالبية البنوك بالاستثمار المسؤول، وتتعهد جميع القطاعات الصناعية ببلوغ أهداف الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050. وفي حين تسهم تلبية معايير الامتثال بهذه الطريقة في مساعدة العلامات التجارية على إثبات مدى اتساقها مع قضية الاستدامة، إلا أنها تفشل في ذات الوقت بإحداث التغيير المطلوب. ودون حدوث التغيير، تعتبر الاستدامة مجرد تكلفة باهظة في هذه الحالة.
ويتطلب تحقيق الاستدامة ضخ استثمارات ضخمة عبر سلاسل التوريد وأنشطة الأبحاث والتطوير والتكنولوجيا والابتكار والاتصال والتدريب وغيرها – وكل ذلك أثناء تحقيق أرباح ضئيلة أو معدومة حتى. ولكن هناك طريقة كفيلة بتغيير هذه المعادلة تتمثل بتحويل الاستدامة من تكلفة ضرورية إلى نشاط يحقق العائد على الاستثمار، وذلك عبر استخدام العلامة التجارية. وتساعد العلامة التجارية الشركات على تحديد سبل التمايز من خلال الاستدامة مع ضمان الاتساق، وبالتالي تعزيز العائد على الاستثمار، بدلاً من التركيز فقط على جوانب الامتثال وتكبد التكاليف كما هو الحال مع أي جهة أخرى. وهما تكمن القيمة التجارية الحقيقية للاستدامة.
كيف تبدو ملامح الاستدامة المدفوعة بالعلامة التجارية
تبيّن الأبحاث أن العلامات التجارية المستدامة تنمو بوتيرة أسرع من تلك التي تعتبر ذات تأثير إيجابي أدنى سوية. لكن يتعين على العلامات التجارية أن تسهم بدور إيجابي بطرقها المختلفة والفريدة بغية الاستفادة من فرصة تقدر قيمتها بحوالي 12 مليار دولار.
وهناك عدد قليل من الشركات التي بدأت تدرك حقيقة هذا الأمر. وتعتبر شركة "أيه سي بي سي" (ACBC)، التي تأسست إثر حملة تمويل على منصة التمويل الجماعي "كيك ستارتر" عام 2017، علامة تجارية إيطالية متخصصة بالأحذية تعد بتغيير وجه القطاع –وتلتزم بتحقيق هذا الهدف عبر جميع أنشطتها. وبالرغم من أن استخدام التفاح والعنب والأناناس بدلاً من الجلود يجعل من أحذيتها فريدة من نوعها، إلا أن هذه العلامة تتجاوز حدود تصنيع الأحذية من الفاكهة عبر إجراء عمليات تدقيق منتظمة للشركات المصنعة بهدف الحفاظ على الثقة بسلسلة التوريد الخاصة بها. وعلاوة على ذلك، تجمع "أيه سي بي سي" الأحذية التي لم يعد المستهلكون يرغبون بارتدائها (سواء كانت من علامة "أيه سي بي سي" أو أي علامة تجارية أخرى) لاستخدامها في بناء ساحات اللعب.
وبالرغم من أن الشركات الناشئة تركز على تحقيق النمو المستدام، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى الابتكار من أجل تطوير والحفاظ على رؤيتهم الفريدة للاستدامة. ويعد "تي أو" (TO) صندوقاً استثمارياً انبثق بهدف دعم الشركات التي تتبنى ما يعرف بمفهوم الحد الثلاثي الأدنى من المسؤولية (triple bottom line) وتعمل من أجل نشر قيم المعاملة الحسنة والمسؤولية. ويقتصر الحضور الملموس للصندوق على الشركات التي يستثمر فيها، وهو يوظف هذا الأمر لتحقيق فوائد إضافية من خلال جمع المواد غير المستخدمة من عملائه – كتيبات الموسم السابق والملصقات المتبقية وبطاقات العمل– لتشكيل الانطباعات الخاصة بعلامته التجارية. ومن خلال إعادة تدوير المواد، يسلط الصندوق الضوء في ذات الوقت على طموحاته الخاصة وعلى جميع شركائه من العلامات التجارية المسؤولة.
وفي كل واحد من هذه الأمثلة، تجسد الاستدامة ركيزة أساسية في صميم كل من الشركة والعلامة التجارية بطريقة هادفة وخاصة ومتميزة.
تعزيز القيمة التجارية من خلال الاستدامة المدفوعة بالعلامة التجارية
سواء كانت علامتكم التجارية قد أطلقت بالفعل مجموعة من مبادرات الاستدامة أم أنها بدأت للتو بذلك، من المهم أن تقوموا بتبني نهج صارم لتحديد نقطة اختلافكم الخاصة والفريدة. وعلاوة على ذلك، تعتبر مسألة تقييم أنشطتكم وتحديد أولوياتها من أجل زيادة عوائد الاستثمارات المستدامة إلى حدودها القصوى بمثابة جانب بالغ الأهمية. ونعتقد أن هنالك خمس خطوات أساسية للقيام بذلك:
1. تقييم الوضع الحالي لعلامتكم التجارية
تستند قيمة العلامة التجارية إلى أربع ركائز أساسية هي: التمايز والاتساق والاحترام والمعرفة. وستساعدكم مسألة تقييم علامتكم التجارية عبر هذه المجالات الأربعة على تحديد ما يتعين عليكم القيام به من أجل تعزيز قيمتها وتحسينها. ومن الجيد أيضاً قياس مدى ارتباط علامتكم التجارية بالاستدامة. هل هي علامة رائدة في هذا المجال أم أنها متخلفة عن الركب؟
2. مراعاة فئة الأعمال
تنطوي الاستدامة على أهمية وتأثير متفاوتين في القطاعات المختلفة، ويشمل ذلك ميزانياتها. ومن خلال النظر إلى أهداف التنمية المستدامة لمنظمة الأمم المتحدة البالغ عددها 17 هدفاً، يمكنكم تحديد مجالات الاستدامة الأكثر تأثيراً ضمن فئة أعمالكم، بالإضافة إلى المجالات التي يمكن أن تحققها علامتكم التجارية دون غيرها. وينبغي للعلامات التجارية أن تحدث تأثيراً إيجابياً يتجاوز حدود البيئة ويشمل مجالات أخرى مثل إمكانية الوصول أيضاً.
3. قياس مدى تأثير الأنشطة
بطبيعة الحال، لا تكون جميع مبادرات الاستدامة متساوية أو متكافئة في التأثير. فبعضها سيتمتع بنقاط تميز أكثر وضوحاً وسيحقق عوائد مالية أكبر من بعضها الآخر. ويمكن تقييم الإمكانات باستخدام نمذجة السوق المستقبلية، الأمر الذي يكشف عن المبادرات الأكثر تأثيراً خلال الوقت الراهن وفي المستقبل. ويتيح هذا الأمر للشركات التركيز على الأنشطة الأكثر ربحية وإيجاد جدوى تجارية للتغيير.
4. تحسين مزيج الأنشطة
تنطوي مسألة حساب المزيج الصحيح من المبادرات المستدامة للوصول إلى الجمهور المناسب بأكثر الطرق فعالية على أهمية بالغة أيضاً. وقد يصل أحد الأنشطة إلى جمهور واسع، ولكن قد يتمثل الإجراء الأكثر فعالية بمواصلة أو إطلاق مبادرة أو برنامج مختلف أو تخصيص رقم هاتف للتواصل من شأنه أن يعزز المصداقية ويوسع رقعة انتشار الأعمال نحو مناطق ومجالات جديدة. وبدلاً من ذلك، يمكن أن تؤدي مسألة إنشاء منصة جديدة للاستدامة أن تنسجم مع عدد من المبادرات الي تسعى لتحقيق ذات الهدف. ويتعين على الشركات أن تتمتع بالقدرة على تحديد المجال الأنسب للاستثمار.
5. تعزيز مشاركة الموظفين
بالإضافة إلى التصورات الخارجية، يجسّد استكشاف كيفية استخدام البرامج لإحداث تغيير إيجابي في السلوك ضمن الشركة فكرة جيدة للغاية. ويمكن لهذا الأمر أن يؤدي إلى تحسين مستويات المشاركة وتغيير السلوكيات وزيادة الإنتاجية من أجل إرساء الأسس لثقافة عمل أكثر قوة واتحاداً، وبطبيعة الحال، تحسين الحد الأدنى للمسؤولية.
إطلاق العنان لاستراتيجية الاستدامة الجديدة
تتطلب مسألة تقييم والعثور على مجال التركيز الخاص بالعلامة التجارية على صعيد الاستدامة اتباع نهج تحليلي متعمق. ولكن، من أجل أن تتميز العلامة التجارية عن النظراء والمنافسين، يتطلب الأمر أكثر من مجرد تحليل؛ إذ يحتاج إلى مستويات استثنائية من الإبداع أيضاً. ويتم إنجاز التحول الحقيقي للعلامة التجارية فقط عبر توظيف المزيج الصحيح من الدقة التحليلية والتميز الإبداعي.
الابتكار من أجل الشركات والناس والكوكب
يمكن القول بأن الاستدامة تجسّد أكبر تحديات الابتكار التي تواجه البشرية، لكنها تمثل أيضاً فرصة أكبر لجميع الشركات من أجل تقديم مساهمات إيجابية وتحقيق أداء جيد في الوقت نفسه.
ولم تعد الاستدامة تجسّد مجرد "إضافة محببة" بعد اليوم. ولكن في حين تزداد أهمية وضرورة الاستثمار في الاستدامة بشكل ملحوظ من أجل الحفاظ على الاتساق، يكمن الخطر في حقيقة أن هذا الأمر يفشل في إحداث الفارق المنشود. ودون هذا الفارق، غالباً ما يكون العائد على الاستثمار محدوداً أو ربما يكون معدوماً حتى. ومن خلال تبني رؤية قائمة على الابتكار والجمع بين الدقة والإبداع، يمكن أن تصبح الاستدامة ميزة تنافسية. ويمكن أن تجسّد مسألة بناء علامة تجارية مستدامة أمراً جيداً بالنسبة للناس والكوكب وحتى بالنسبة للشركات بحد ذاتها.