الجائحة والحرب على أوكرانيا وتداعياتهما الاقتصادية والاجتماعية

لحسن حداد
لحسن حداد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في ورقة على شكل «موجز سياسات عامة» أصدرها مركز الدراسات والأبحاث (أو - سي - بي بوليسي سانتر) التابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفات المغربية في بحر الأسبوع الثاني من انطلاق الهجوم الروسي على أوكرانيا، خلُص واضعو الدراسة إلى أنه من الصعب التكهن بتأثيرها على الاقتصاد العالمي، خصوصاً أنها تأتي في وقت دقيق يتميز بتحديات إعادة الانطلاق بعد التأثير السلبي للجائحة، وكذا في فترة تعرف ضغوط موجة التضخم على المستوى العالمي، والتي من المنتظر أن ترتفع إذا استمرت الحرب لمدة طويلة.
ستعرف السنة الثانية من تعافي الاقتصاد العالمي في ظل الجائحة نمواً يقدر بـ4.4 في المائة في 2022، حسب البنك الدولي، ولكن تأثيره يبقى محدوداً نظراً لارتفاع نسبة التضخم الذي وصل في يناير (كانون الثاني) 2022 في الولايات المتحدة 7.5 في المائة؛ وارتفع المعدل العالمي من 2.2 في المائة إلى 3 في المائة؛ وكل هذا سيؤدي إلى تدخل البنك الفيدرالي المركزي الأميركي على مراحل من أجل الرفع من السعر المرجعي للفائدة («الموجز»).
أثّرت سلسلة الإغلاقات التي رافقت مراحل انتشار وإعادة انتشار متحورات «كوفيد - 19» على سلاسل الإنتاج والتزود عبر العالم. هكذا اضطرت الكثير من وحدات الإنتاج إلى الإغلاق جراء الإفلاس؛ الشيء نفسه بالنسبة للعديد من شركات النقل واللوجيستيك والتخزين. أثَّر الإغلاق أوَّلاً على الطلب، وهو الشيء الذي أثرٌ بدوره بشكل كبير على الإنتاج؛ بعض الوحدات توقفت عن الإنتاج نظراً لغياب العمالة وأخرى عقِبَ الإجراءات الحكومية الصارمة، والكثير منها نظراً لتكاثف هذه العوامل وعوامل أخرى.
دَعْمُ الحكومات للأسر والمقاولات، وكذا خطط إعادة إطلاق العملية الاقتصادية رَفَع من الطلب في 2021، غير أن الإنتاج لم يواكب هذا الارتفاع المفاجئ للطلب؛ مما قوّض التوازنات بين العرض والطلب التي كانت سائدة في 2019 فارتفعت الأسعار ابتداءً من أبريل (نيسان) 2021. ليس هذا فحسب، ولكن إفلاس شركات النقل واللوجيستيك إبَّان «كورونا»، تسبب في ارتفاع أسعار النقل والتخزين في فترة إعادة الانطلاقة في 2021. هذا ما جعل أسعار المواد الأساسية من نفط ومواد غذائية وقطع غيار ترتفع، حيث وصل سعر البرميل قبل الحرب على أوكرانيا نحو 85 دولاراً للبرميل (بدل نحو 70 دولاراً في 2021) وثمن الطن من الصوجا 1600 دولار (بدل 800 دولار في فترة ما قبل الجائحة).
ارتفاع أسعار النفط أثَّر على سعر نقل البضائع والمسافرين على المستوى الداخلي، وارتفاع أسعار الصوجا تسببت في ارتفاع صاروخي في أسعار زيوت المائدة. والاثنان كان لهما تأثير على حلقات أخرى في سلاسل الإنتاج في فترة ما قبل الحرب.
لقد جعلت حرب روسيا على أوكرانيا سعر البرميل يقترب من 140 دولاراً، وارتفع سعر الغاز الطبيعي المُستعمَل في التدفئة في أوروبا وفي المطابخ في دول الجنوب، بينما وصلت أسعار القمح إلى مستوى قياسي. كل هذا يُنذِر بارتفاع في تكلفة المعيشة، خصوصاً في الدول الأفريقية والعربية المُعتمِدة جُلّها على استيراد القمح، وبعضها على استيراد النفط والقمح في الوقت ذاته.
يقول «موجز» مركز الدراسات والأبحاث المغربي بأن تأثير الحرب وارتفاع الأسعار سيكون مختلفاً حسب إن كانت الدول مصدِّرة للنفط أو مستورِدة له. الجزائر، كدولة منتجة للنفط مثلاً، ستعوض ارتفاع أسعار القمح بما ستجنيه من أرباح من ارتفاع قيمة صادرات النفط. بينما المغرب، وهو مستورِد للقمح والنفط في الوقت نفسه، ستضطر الحكومة إلى التدخل من أجل دعم القدرة الشرائية للمواطنين.
قد لا تستطيع الجزائر الوصول إلى «سلم سياسي» لأن الحِراك ما زال مستمراً وسقف مطالبه له أبعاد تهُمُّ طبيعة النظام السياسي، ولكن الحكومة قد تستعمل البحبوحة النفطية من أجل امتصاص جزء من الغضب وتأجيل الحسم السياسي إلى حين.
إن ما يُعقِّد الأمر بالنسبة لدولة مثل المغرب هو الجفاف الحاد الذي يضرب هذا البلد الفلاحي؛ مما سيؤدي إلى انخفاض في إنتاج الحبوب، والذي كان قد استوجب، قبل أسابيع قليلة، تدخل الحكومة من أجل دعم الفلاحين بنحو مليار دولار.
إن ارتفاع أسعار النفط والزيوت والمواد الغذائية والنقل جعل الحكومة تفتح باب الحوار الاجتماعي لتفادي اللجوء إلى الإضرابات من طرف النقابات.
ولكن لا محيد عن تدخل الحكومة من أجل دعم أسعار النفط لتخفيف الاحتقان الاجتماعي، الذي بدأت مظاهره تطفو على سطح وسائل التواصل الاجتماعي. يدعم المغرب السكر وغاز البوطان والدقيق بنحو مليارَي دولار (قانون مالية - موازنة 2022). ولكن هذا المبلغ لن يكون كافياً من أجل دعم استهلاك غاز البوطان المرتفعة أسعارُه، فما بالك القمح والسكر. إذا استمرت الحرب واستمرت أسعار البترول والغاز والقمح في الارتفاع، فإن حاجيات صندوق المقاصة المغربي (صندوق مخصص لدعم المواد الأساسية) قد تناهز خمسة مليارات دولار.
قد تضطر الحكومة المغربية إلى اقتراح قانون مالية تعديلي، لكن هامش التحرك لديها يبقى ضيقاً. إذ لا يمكن لها فرض ضرائب جديدة على الشركات الكبرى نظراً لكونها سبق لها أن فرضت 5 في المائة من الأرباح الصافية كضريبة تضامن إضافية على الضريبة على الشركات. قد تدفع بالقطاع الخاص إلى الرفع من الأجور لخلق نوع من التوازن بينه وبين القطاع العام الذي ضخ نحو مليار دولار في الأجور بموجب قانون مالية 2022. لكن المقاولات تعاني من ضعف شديد ولم تستفق بعد من صدمة الإغلاق في زمن «كورونا» ومن المستبعد أن تستجيب لذلك. لذلك يبقى الملاذ الوحيد هو الاقتراض وخلق عجز أكبر في الميزانية. يمكن للحكومة كذلك أن تحذف الضريبة على الاستهلاك ما دام أن الضريبة على القيمة المضافة سترتفع بارتفاع الأسعار وبذلك ستعوض الخسارة في حال حذف الضريبة على الاستهلاك.
يبدو أن سنوات الرخاء بالنسبة للمغرب ودول أخرى في أفريقيا والعالم العربي قد ولَّت. ولا يبدو في ظل التغيرات المناخية والتوترات الدولية والواقع الجديد الذي خلَّفته الجائحة أنها سترجع على المدى المتوسط. لهذا؛ على الشعوب والحكومات أن تطور مناعة وقوة وصلابة جديدة للتأقلم والمواجهة وإيجاد البدائل المستديمة وخلق نموذج اقتصادي جديد، يأخذ بعين الاعتبار هذه المخاطر ويترجمها إلى فرص لفرض تغيير جذري في السلوكات والسياسات والرؤى.

* نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.