تفاعلات الحرب الأوكرانية الاقتصادية

سعود بن هاشم جليدان
سعود بن هاشم جليدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

ولدت الحرب الأوكرانية وردود أفعال الدول الغربية عليها، تفاعلات واسعة مع المتغيرات الاقتصادية. وأدى نشوب المعارك إلى تعطيل شبه كامل للاقتصاد الأوكراني، كما عرقل بشكل كبير الملاحة في البحر الأسود. وسارعت الدول الغربية إثرالحرب، إلى فرض عقوبات مالية واقتصادية قاسية على روسيا، تمخضت عنها آثار اقتصادية سلبية عميقة في روسيا. وتعيق العقوبات الاستثمارات وتبادل السلع والخدمات بين روسيا وباقي العالم. ويحتل الاقتصاد الروسي المرتبة الـ11 عالميا ويصل حجمه إلى نحو تريليون ونصف تريليون دولار. وتزداد أهمية الاقتصاد الروسي لقطاعات عالمية معينة، أبرزها أسواق الطاقة وبعض المعادن والحبوب.
حذرت المؤسسات الدولية من الآثار الكارثية للأزمة الأوكرانية في إمدادات الغذاء العالمية للدول منخفضة الدخل. وقادت الأزمة الأوكرانية إلى تعطيل صادرات الحبوب الأوكرانية، كما ستعيق العقوبات، بشكل كبير، صادرات الحبوب الروسية. وتوفر روسيا وأوكرانيا نحو 30 في المائة من صادرات القمح العالمية. وتفاعلت أسعار القمح مع الحرب الأوكرانية، حيث قفز سعر الطن إلى نحو 400 دولار أخيرا. إضافة إلى القمح توفر أوكرانيا وروسيا 60 في المائة من صادرات زيت دوار الشمس العالمية، كما ينتجان ويصدران كميات لا يستهان بها من الشعير والذرة. ونتيجة للأزمة ستتأثر إمدادات الحبوب وزيوت الطعام العالمية ما سيضغط على أسعار الغذاء العالمية التي تعاني أساسا موجة غلاء بعد أزمة كورونا. ستواجه بعض الدول العربية مصاعب في توفير إمدادات الحبوب، وخصوصا القمح، وكذلك الزيوت النباتية. وتعتمد دول البحر المتوسط العربية، وبالذات مصر ولبنان والجزائر، على إمدادات القمح والحبوب من أوكرانيا وروسيا، ما يعرض أمنها الغذائي للخطر.
تنتج روسيا، وإلى حد أقل أوكرانيا، كميات ضخمة من بعض المعادن المهمة، كالألمنيوم والتيتانيوم والبلاديوم والنيكل. وشهدت أسعار هذه المعادن ارتفاعات كبيرة منذ العام الماضي، وستظل أسعارها مرتفعة لبعض الوقت ما دامت الحرب والعقوبات الناتجة عنها مستمرة، وهذا سيرفع تكاليف منتجات صناعات مهمة كصناعة السيارات. وأغلقت أسواق لندن للمعادن الثلاثاء 8 آذار (مارس) تبادلات النيكل بسبب الارتفاع الحاد في أسعاره. كما سجل عدد آخر من المعادن، كالألمنيوم، أسعارا قياسية أخيرا.
ستعمق العقوبات المالية معضلة سلاسل التوريد الناتجة عن أزمة كورونا، وتواجه الشركات المتعاملة مع روسيا صعوبات جمة في التأقلم مع العقوبات. وتضيف الحرب والعقوبات أيضا مصاعب في نقل السلع من وإلى موانئ البحر الأسود والموانئ الروسية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث بدأت عراقيل جمة تواجه حركة الشحن البري والجوي عبر روسيا. وتستخدم دول أهمها الصين، الشحن البري عبر روسيا لإيصال كميات لا يستهان بها من السلع إلى أوروبا. وازدادت أخيرا تكاليف الشحن والسفر الجوي للقارة الأوروبية بسبب التفادي المتبادل للمجالين الجويين الروسي والأوروبي، وقد توقفت بشكل فعلي حركة الطيران الروسية الخارجية. من جانب آخر، شرع عدد كبير من الشركات العالمية في وقف أنشطتها الروسية، وكانت من أبرزها شركات تويوتا ومرسيدس بنز وجنرال إلكتريك وأبل، كما علقت معظم المصارف وشركات تقديم الطعام والخدمات المالية العالمية أنشطتها في روسيا. وهناك صعوبة كبيرة في تبادلات روسيا المالية مع العالم الخارجي حتى داخلها. في المقابل، سيخسر عديد من الشركات العالمية إيراداتها من السوق الروسية.
كانت أسواق الطاقة العالمية أكبر المتأثرين بالأزمة الأوكرانية، حيث ارتفعت أسعارها بقوة خلال الفترة الأخيرة. وتجاوزت أسعار النفط 130 دولارا للبرميل أخيرا، وسايرتها تكاليف الطاقة الأخرى وأهمها الغاز الطبيعي. وتحتل روسيا المركز الأول عالميا في صادارت الغاز الطبيعي، والثاني في النفط ومنتجاته. ومع أن معظم الدول الفارضة للعقوبات تجنبت المساس بصادرات النفط والغاز الروسية إلا أنها ستولد عقبات أمام صادراتها. ويتجنب المضاربون والمستهلكون العالميون حاليا النفط الروسي، ما أجبر المصدرين الروس على منح خصومات كبيرة على الصادرات النفطية. وتشير بعض المصادر إلى أن الخصومات على شحنات النفط الروسية وصلت إلى 25 في المائة من أسعاره.
عموما ستؤثر الحرب الأوكرانية سلبا في متغيرين مهمين عالميا هما معدلا التضخم والنمو العالميان. وستفاقم الحرب الأوكرانية معدل التضخم العالمي بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة العالمية والمعادن والحبوب التي تسهم بشكل مهم في إنتاج السلع والخدمات العالمية، وكذلك بسبب مفاقمتها أزمة سلاسل التوريد. وتشير بعض المصادر إلى أن معدل التضخم العالمي هذا العام سيتجاوز 6 في المائة، لكن بعض الدول الاقتصادية الكبرى ستعاني بشكل أكبر. وسيتضرر أيضا معدل النمو الاقتصادي العالمي بسبب الحرب، وارتفاع حالة عدم اليقين، وخسارة التجارة مع روسيا وأوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية والأغذية. ولا تتوافر تقديرات عالية الثقة حول معدل تراجع نمو الاقتصاد العالمي بسبب الأزمة، وإن كانت لن تقل عن نصف نقطة مئوية قد تصل إلى نقطة مئوية كاملة. وهذا يعني زيادة الضغوط على البنوك المركزية العالمية لتجنب سياسات التشدد النقدي التي كانت في جداول أعمالها للحد من التضخم. ويبدو أن بعض الاقتصادات المهمة، خصوصا في أوروبا والدول الأكثر ارتباطا بالاقتصادين الروسي والأوكراني، ستضعف معدلات نموها الاقتصادي أو قد تشهد ركودا وارتفاع معدلات تضخمها في الوقت نفسه. وحظرت الولايات المتحدة، الثلاثاء الماضي، واردات الطاقة الروسية، كما تنفذ المملكة المتحدة حظرا تدريجيا مماثلا، وقد تلجأ روسيا إلى حظر صادارت الطاقة لبعض الدول. وفي حالة تدني صادرات الطاقة الروسية إلى مستويات متدنية، فقد يدخل الاقتصاد العالمي في ركود.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط