برميل من الغار

ليون برخو
ليون برخو
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

في نهاية العقد الأخير من القرن الماضي هبطت أسعار النفط إلى مستويات متدنية ما حدا بكثير من المختصين والباحثين إلى القول إن عصر الذهب الأسود في أفول وربما دون رجعة.

وأتذكر في حينه مقالا في صحيفة "فاينانشيال تايمز" يسخر فيه كاتبه من اجتماع عاصف لمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" أخفق فيه المجتمعون في تخفيض الإنتاج لرفع سقف الأسعار لا بل فشلوا في تحديد سقف محدد للإنتاج.

وما زال عنوان المقال الذي لم يتجاوز ثلاث كلمات، لكنها ذات دلالات كبيرة لم يغادر ذاكرتي. كان العنوان بالإنجليزية A barrel of talk أي "برميل من الثرثرة".

ولشدة وقع العنوان الذي في رأيي كان وصفا دقيقا لما جرى في كواليس اجتماع "أوبك" في حينة في فيينا، جرى نشر المقال على نطاق واسع واقتبسته عديد من وسائل الإعلام.

وأتذكر أيضا أن محرر الشؤون الاقتصادية في وكالة "أسوشیتد پرس" Associated Press أرسله إلى المراسلين والكتاب كافة الذين يعملون في معيته – وبينهم كاتب السطور - كنموذج لما يجب أن تكون عليه الكتابة الصحافية.

كل هزة في أسعار النفط تحدث ردة خطابية تقريبا مساوية للمسار الذي تتخذه. إن طفح الإنتاج وتدنت الأسعار، هرع الكتاب والباحثون والمختصون في شؤون النفط إلى القول إن أيام الطاقة الأحفورية أو بالأحرى مركز وتأثير المنتجين التقليديين آخذة في الاندثار.

وإن قل العرض عن الطلب وصعدت الأسعار، هرع الكتاب والباحثون والمختصون إلى أقلامهم مسطرين مقالا تلو مقال حول أهمية هذه السلعة الاستراتيجية ومدى إدمان الدول الغنية وماكينتها الصناعية على استهلاكها.

ويلعب العرض والطلب في تحديد أسعار كل السلع التجارية، لكن للنفط حساسية تفوق ما لدى أي سلعة أخرى.

ونلاحظ كيف أن أحداثا قد يراها كثيرون عادية مثل لقاء بين زعيمين أو إعصار أو اتفاقية تترك بصماتها على منحنى أسعار النفط.
وقد يكون النفط السلعة الوحيدة في العالم التي تتحدى ما يضمره المستقبل. وإن نظرنا إلى الخطاب الصحافي الذي يرافق هذه المادة قارئين بين السطور لرأينا أن العالم قد نعى ورثى النفط مرات عديدة ووصل الأمر إلى التنبؤ بإفلاس الدول المنتجة وعلى الخصوص الشرق الأوسطية منها.

إلا أن السلعة هذه تظهر أن من العسر ضمن الظروف الحالية تخمين معدل عمر محدد لها، وإن أي رثاء لها يعيدها إلى الحياة وهي أكثر ريعانا وحيوية وتأثيرا وقيمة.

وبرز النفط في حمى الحرب الخطيرة الدائرة في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا سلاحا أمضى من كل الأسلحة الفتاكة التي يستخدمها المحاربون.

والحرب لم تضع أوزارها، بيد في إمكاننا القول إن النفط خرج منها ظافرا غانما وعاد مكللا بالغار مرة أخرى.

و"أوبك" لم تعد "أوبك" التسعينيات من القرن الماضي. إنها "أوبك +" المنظمة الجديدة التي هي من بنات أفكار دبلوماسية النفط للمملكة العربية السعودية.

ويبدو أن تبعات الحرب المدمرة الحالية في أوروبا في كفة، وتبعات النفط كمادة استراتيجية في كفة أخرى.

اليوم العالم ليس منشغلا بالحرب أكثر من انشغاله بالنفط وأسعاره وكل ما يتعلق به من عرض وطلب وإنتاج.

ربما لم ينظر العالم للنفط كسلاح ذي أثر مباشر في الحروب والمعارك والحياة برمتها مثل ما هو عليه اليوم.

الطاقة التي يولدها النفط صارت المحك إلى درجة أن في إمكانها هدم الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد في العالم.

الأحداث الأخيرة برهنت أن النفط لا يزال يلعب دورا مؤثرا للغاية في عجلة المال والاقتصاد والصناعة وصولا إلى فاتورة الكهرباء أو الغاز المنزلية أو تعبئة السيارة الشخصية التي أصبحت عبئا كبيرا على الطبقات الوسطى المرفهة في الغرب.

وصار العالم الغربي حبيسا لسيناريوهات يراها مخيفة إن وقعت مثل قرار مفاجئ من المنتجين الكبار باستيفاء ريع النفط بالعملة الصينية بدلا من الدولار، أو تسعير النفط بالعملة المحلية وما يقابلها من الذهب.

وها هي روسيا تستخدم نفطها سلاحا في المعركة التي تخوضها في أوكرانيا مطالبة بدفع مستحقاتها بعملتها الوطنية وليس بالدولار كما هو متعارف، الإجراء الذي كان له أثر بالغ على قيمة الروبل الروسي وسيكون له وقع كبير إن نجح لأن عمليا سيلغي أثر الحصار المطبق الذي فرضته الدول الغربية عليها.

أرى أن الفرصة هذه ذهبية للمنتجين الكبار في الشرق الأوسط لتحقيق الطموح الاستراتيجي في قضايا لم تتمكن من حلها حتى الآن أو لم ينصفها العالم الغربي الذي دائما يضع مصلحته فوق أي مصلحة أخرى.

وها هو النفط يعود منتصرا ولم يعد كلام المنتجين في "أوبك" "برميل من الثرثرة" بل "برميل من الغار".

* نقلا عن صحيفة الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط