.
.
.
.

هل تحدث إنجازات الأعوام بموظفي الشهور؟

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

تخيل شركة لديها رؤية طموحة تهدف إلى تحقيقها خلال خمسة أعوام، أي: 60 شهرا، لكن معدل بقاء أفضل الموظفين لا يتجاوز الـ 20 شهرا.

وأخرى تطمح لثلاث دورات من النمو خلال عشرة أعوام مقبلة، لكن في العامين الأولين عاصرت ثلاثة رؤساء، أي إنجاز في عالم الأعمال سيتطلب من عامين إلى ثلاثة ‏حتى يظهر نتائج معتبرة ومحسوسة. يختلف الأمر إذا كنا نتحدث عن مشروع صغير تقليدي أو شركة ناشئة تعمل على منتج مبتكر أو منظمة عملاقة تتعامل مع كثير من التفاصيل المعقدة. وهذا يعني أن مرحلة الإنجاز التي تبدأ من محاولة العمل مع الفرق الناجحة والمشاركة في التخطيط والتحضير لهذا الإنجاز ومعالجة التحديات المرتبطة به والعمل على مشاهدة تجاربه ونجاحاته الصغيرة وفشله الذي قد يتكرر ليست قصيرة. دورة الإنجاز عادة ما تكون طويلة نسبيا وقد تتمثل في محطات معدودة في المسار المهني والتجربة العملية الحياتية للفرد.

لو كان بعض الأفراد لا يهتمون فعليا بعملية ربط الإنجاز العملي باختياراتهم المهنية والعملية، فهم يكتفون بالانضمام إلى روتين مقبول وعوائد معقولة بالنسبة لهم، إلا أن هذه المسألة من وجهة نظر المنظمات التي تبحث عن ترتيب أمورها بطريقة تستطيع فيها متابعة إنجازاتها مختلفة جدا. من الأولويات الطبيعية للكيانات الناجحة وبغض النظر عن مجالها ونموذجها والقطاع الذي تعمل به تكوين الفرق القوية الناجحة التي تمكنها من متابعة أهدافها وتحقيق نجاحات واحدة تلو الأخرى. وهذا يعني الاهتمام باستقرار هذا الفريق وتماسكه وتماسك عناصره المؤثرة لفترة جيدة من الزمن، وهذا الأمر يعد اليوم تحديا كبيرا جدا واستثنائيا لمعظم من يعمل في قطاع الأعمال، عالميا ومحليا.

أتساءل كيف ستواجه قيادات الشركات المحلية هذا التحدي في ظل ارتفاع نسبة الدوران الوظيفي، خصوصا عند أصحاب المهارات والمواهب؟ ‏القريبون من عملية استقطاب المواهب المؤهلة يعرفون أن من الصعب جدا الحصول على أشخاص لديهم خبرة متراكمة ومتصلة وإنجازات مثبتة خلال الأعوام الماضية. والإشكالية ليست فقط في إثبات الإنجاز والقدرة عند الشخص، حتى لو افترضنا جدلا أنك تستطيع اختيار المؤهلين الذين تتوافق قدراتهم مع احتياجات المنظمة، فإن السؤال الأهم: ما الذي يضمن بقاءهم لفترة كافية للمساعدة على صنع الإنجاز؟ وهذا في نظري هو التحدي الأهم في العملية التوظيفية، إذ إن استقطاب الموظف الممتاز لن يصنع أي فارق إذا لم يستمر هذا الموظف في المكان نفسه فترة كافية من الزمن.

لو حاولنا النظر إلى هذا الموضوع نفسه، لكن حسب المستوى الوظيفي لوجدنا أن المسألة لا تزال في الأهمية ذاتها، خصوصا عند التنفيذيين وكل من يعمل في المنظومة القيادية داخل المنظمة بما في ذلك المديرون وكبار المديرين حتى قادة الفرق الذين يقومون بإدارة وترتيب وتخطيط تنسيق ومراجعة الأعمال. من المثير رؤية مديرين ومختصين ينتقلون كل عامين من وظيفة إلى أخرى، فضلا عن الرؤساء التنفيذيين الذين قد يتنقلون أكثر مثل زملائهم الآخرين. تشير الأبحاث إلى أن الفترة المناسبة ليعطي الرئيس التنفيذي ما لديه تعادل تقريبا خمسة أعوام، وينادى أحيانا بفترة لا تقل عن ثمانية أعوام وربما عشرة حتى يتمكن من صنع الأثر والمساهمة الاستراتيجية الفعلية في استمرارية الكيان ونجاحه على المدى الطويل، والواقع بالطبع مختلف جدا.

عديد من الأسئلة تتبادر إلى الذهن حين ننظر إلى هذه الظواهر السلبية في بيئة العمل وسياقات الأداء والإنجاز المحلية. على سبيل المثال، تقوم المنظمات على المعرفة المتراكمة، وهذا ما يجعل مجموع أجزائها وهي مجتمعة أكبر من مجموعها وهي منفردة، فكيف ستكون المعرفة المتراكمة في حال وجود عملية فوضى كبرى في دخول وخروج أصحاب الخبرات منها وإليها؟ من أعلى الهرم حتى قاعدته.

ومما يعرف كذلك أن النجاح المؤسسي هو نجاح تراكمي وفي حالة فقدان الصلة التي تتطور بها المهارات الخاصة وتتطور بها المعرفة المختصة داخل فرق العمل وداخل الإدارات والأقسام لا يمكن لهذا العمل التراكمي أن يستمر. تهدد هذه الظاهرة وبشكل مباشر بيئة الإبداع والابتكار وفرص بعض القطاعات في تحقيق نمو أصيل يمكن أن يقود الاقتصاد إلى مستويات مختلفة.

وكما ينبغي القضاء على مشكلات مثل البطالة وغيرها حماية للاقتصاد، فينبغي كذلك القضاء على هذه الظواهر التي تعظم من تشوهات وهشاشة مخزون المعرفة والذكاء المتراكم داخل الفرق والمنظمات. ما يضخم هذا التحدي بأنه لا يظهر بشكل ملح أو واضح جدا لكن آثاره المدمرة على المدى الطويل لا يمكن الاستهانة بها.

* نقلا عن صحيفة الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة