نفط وغاز

زيارة بايدن للسعودية.. سياسات طاقة أميركية مُربكة للسوق وجهود المملكة لاستقراره

د. فيصل الفايق
د. فيصل الفايق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

إن كانت الادارة الأميركية الحالية قد احدثت شرخاً يعتقد البعض انه من الصعب رأبه بزيارة الرئيس بايدن، إلا أن العلاقة السعودية الأميركية تظل إستراتيجية ومُتّزنة وإن مرت ببعض المنعطفات، لتُثبت قيادة المملكة العربية السعودية قدرتها الدائمة في إدارة الأزمات بحكمة وبنفس طويل، وقد رأى العالم كيف تعاملت المملكة مع استفزازات الإدارة الأميركية الديمقراطية الحالية، وأيضا السابقة (إدارة أوباما) التي كانت تسلك سلوكاً استفزازياً من خلال تحالفات مشبوهة في المنطقة مع من يُهدّد أمن واستقرار المنطقة.

الإدارة الأميركية الحالية في موقف لا تُحسد عليه، وأمامها العديد من الملفات الصعبة، ومن أهمها ما يتعلق بالنفط وتحول الطاقة غير المدروس المرتبط بالاقتصاد الأميركي الذي يدخل مرحلة الركود بسبب تطبيق سياسات نقدية صعبة في محاربة التضخم، مما سيكون له انعكاسات سلبية على الانتخابات النصفيه القادمة في شهر نوفمبر لأعضاء الكونغرس وحكام الولايات.

في مجال النفط، كانت العلاقة تبادلية بين المملكة كأكبر مُصدّر للنفط والولايات المتحدة كأكبر مستهلك للنفط، وخلال العقدين الماضيين مرت العلاقة النفطية بينهما بالعديد من المتغيرات، فمثلاً كانت المملكة أكبر مُصدّر للنفط للولايات المتحدة بمتوسط يصل الى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميا قبل نحو 20 عام، ولتتحول هذه العلاقة إلى أن أصبحت بين أكبر منتجي النفط في العالم، وإن كانت الولايات المتحدة الأميركية ترمي بثقل إدارة السوق إلى المملكة دائماً ومسؤولية استقراره، كباقي دول العالم.

مع نهاية عام 2015 تطورت المتلونات من الجانب الأميركي لتشهد ثلاث تغيرات كبيرة في صناعة النفط الأميركية ولتتسبّب في تأثير تاريخي ومفصلي على أسواق الطاقة، وهي رفع الحظر عن صادرات النفط الأميركي، والاتفاقية النووية الإيرانية والتي رفعت الحظر عن صادرات النفط الإيرانية، واتفاقية باريس للمناخ.

كان من آثار هذه التغييرات اغراق أسواق النفط خاصة بالدخول المفاجئ وغير المدروس وغير المرحلي للنفط الصخري الأميركي، وإحداث تُخمة للمعروض النفطي أربكت الأسواق العالمية وخلل في ميزان العرض والطلب تسبّب في هبوط الأسعار إلى مستويات مُتدنية تاريخيا، وهذا ما حدث بالفعل في مطلع عام 2016 عندما هبط سعر خام برنت إلى 27 دولار، كما أن مؤتمر باريس للمناخ المنعقد نهاية عام 2015 وضع البذرة الأولى لشيطنة النفط، وتعاقبت مؤتمرات تغيّر المناخ من بعده على هذا المنوال.

كان من الطبيعي أن تُمارس المملكة دورها في قيادة واستقرار أسواق النفط، أسست تحالف "أوبك بلس" الذي عمل جاهدا على مدى خمس سنوات متتالية في إنقاذ واستقرار أسواق النفط العالمية، ولعل جهود منتجيه أثناء الجائحة مشهودة في احتواء أكبر صدمة للطلب على النفط في العالم، الولايات المتحدة الأميركية أحد أكبر المستفيدين من جهود أوبك وأوبك بلس كأكبر مستهلك ومنتج للنفط.

تتحمل الإدارة الأميركية ذات التوجه الديمقراطي الجزء الأكبر من مسؤولية تخبطات سياسة الطاقة في الولايات المتحدة لهندستها ودعمها لاتفاقيات أثرت تداعياتها على أسعار وقود المواصلات في داخلها، خاصة أن الولايات المتحدة هي أكبر مستهلك للبنزين في العالم بأكثر من 8 مليون برميل يوميا وهو ما يُمثّل نحو ثلث الاستهلاك العالمي، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الاتحاد الأوروبي المستورد للوقود من الولايات المتحدة، انعكس ذلك على ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة مما ألقى بظلاله على أسعار الوقود عالميا.

من هنا تتضح الصورة حول علاقة الولايات المتحدة - ذات السياسات المُربكة لأسواق النفط - بالمملكة التي تُمارس دورها القيادي دائما في توازن الأسواق، فكلما أربكت الولايات المتحدة الأميركية الأسواق، تتدخل السعودية كصمّام الأمان ومصدر الطاقة الأعلى موثوقية في العالم لإصلاح ما تُفسده سياسات الطاقة الأميركية، لا سيما أن المملكة تنتج حاليا 10.6 مليون برميل يوميا، ومازال هناك مجال لزيادة الإنتاج بنحو 1.7 مليون برميل يوميا لتصل إلى الطاقة القصوى نحو 12.3 مليون برميل يوميا، ولكن مع بوادر تفاقم أزمة إمدادات عاليمة مؤخراً، فإن إدارة السوق الفعالة أهم من أي زيادة في الإنتاج من المملكة.

سننتظر نتائج زيارة الرئيس الأميركي للمملكة في 15-16 يوليو، والأكيد هو أنه لا جدال في أن العلاقات السعودية الأميركية كانت وتظل عميقة واستراتيجية منذ أن تأسست في عهد المغفور له الملك عبد العزيز مع روزفلت، وإن مرت ببعض المنعطفات، إلا أن حكمة القيادة السعودية في المحافظة على الشراكات الاستراتيجية، تفتح الباب أمام الإدارات الأميركية لترجع للمملكة في مواجهة التحديات الكبرى، وقد أيقنت الولايات المتحدة أنها لن تستطيع تحقيق ذلك دون تصحيح وتعزيز شراكتها مع أكبر شريك استراتيجي لها في المنطقة وهي المملكة العربية السعودية.

*خاص

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط