اقتصاد

خفض تطلعات النمو العالمي

سعود بن هاشم جليدان
سعود بن هاشم جليدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تكتسب تطلعات صندوق النقد الدولي كثيرا من الاهتمام والثقة، نظرا إلى ما يتمتع به الصندوق من خبرة طويلة في هذا المجال، وإمكانات وخبرات بشرية وفنية، وتواصل مع صناع القرار عبر العالم.

يصدر الصندوق تطلعات اقتصادية وتحديثاتها كل ثلاثة أشهر. ساد التفاؤل التطلعات الاقتصادية في النصف الثاني من العام الماضي، بعد انتشار حملات التطعيم ضد وباء كورونا لدى دول العالم الكبرى. بعد ذلك تراجعت توقعات النمو الاقتصادي بعض الشيء مع ظهور متحور أوميكرون بداية العام الحالي.

توقعت تطلعات الصندوق كانون الثاني (يناير) الماضي تحسن أداء الاقتصاد العالمي خلال الربع الثاني من العام الحالي بعد حالة التراجع الناتجة عن متحور أوميكرون في الربع الأول 2022، وأن يصل معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى 4.4 في المائة، 3.8 في المائة لعامي 2022، 2023 على التوالي.
لم يكن بحسبان الصندوق والمؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث نشوب الحرب في أوكرانيا، أما بعد الحرب في أبريل 2022، فقد خفض الصندوق توقعاته لمعدلات النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.6 في المائة في عامي 2022، 2023، ثم عاود الصندوق أخيرا في تطلعات يوليو 2022 خفض آفاق النمو هذا العام بأربعة أعشار نقطة مئوية إلى 3.2 في المائة، كما خفض تطلعات النمو العام المقبل بسبعة أعشار نقطة مئوية إلى 2.9 في المائة. جاء الخفض بدرجة رئيسة نتيجة لخفض توقعات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

خفضت توقعات نمو الاقتصاد الأمريكي العام الحالي بنحو 1.4 في المائة، حيث سيكون بحدود 2.3 في المائة، وذلك نتيجة لرفع معدلات الفائدة الأساسية والتشدد النقدي المتزايد لمكافحة التضخم. وسجلت الولايات المتحدة في الربعين الأول والثاني 2022 تراجعا اقتصاديا، ما أدخلها في ركود تقني. وهناك وجهات نظر يتزعمها الرئيس الأمريكي ومستشاروه الاقتصاديون بأن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل حالة ركود، لاستمرار إيجاد الوظائف ونموها.

جاء خفض تطلعات الاقتصاد العالمي أيضا لتراجع آفاق نمو الاقتصاد الصيني 1.1 في المائة، حيث سيبلغ 3.3 في المائة هذا العام، نظرا إلى الإغلاقات التي تفرضها الحكومة الصينية وتأثيراتها الواسعة في شبكات التوريد المحلية والعالمية، وكذلك لزيادة مخاطر أزمة السوق العقارية الصينية، إضافة إلى ذلك خفضت توقعات نمو مجموعة اليورو في 2022 بعشري نقطة مئوية ليبلغ 2.6 في المائة، وذلك لزيادة مخاطر انقطاعات الطاقة وباقي آثار الحرب الأوكرانية، كما خفضت توقعات نمو الاقتصادات المتقدمة الأخرى بما في ذلك اليابان وكندا والمملكة المتحدة.

خفضت توقعات نمو الدول الصاعدة والنامية بعشري نقطة مئوية في 2022 إلى 3.6 في المائة، ونصف نقطة مئوية العام المقبل، حيث سيبلغ 3.9 في المائة. تراجعت توقعات نمو الهند بثمانية أعشار نقطة مئوية عن التوقعات السابقة إلى 7.4 في المائة خلال 2022. وستتفوق عليها آفاق نمو المملكة بنسبة تصل إلى 7.6 في المائة العام الحالي، وهي الأعلى بين مجموعة العشرين. ظلت توقعات نمو المملكة عند مستويات مرتفعة في أحدث التطلعات لاستمرار بقاء أسعار النفط مرتفعة وزيادة إنتاج المملكة النفطي.

رفعت توقعات التضخم العام الحالي في الدول المتقدمة والنامية عام 2022 إلى 6.6 في المائة، 9.5 في المائة على التوالي. وجاء الرفع بسبب استمرار أزمة الحبوب والغذاء العالمية وارتفاع أسعار الطاقة. ويوصي الصندوق بضرورة التصدي لظاهرة التضخم نظرا إلى تأثيراته السلبية في مستويات المعيشة، كما أكد الصندوق أهمية الإسراع في اتخاذ إجراءات خفض معدلات التضخم، حتى لو أدى ذلك إلى خفض معدلات النمو ورفع الضرائب وخفض الإنفاق الحكومي. طبعا توصيات الصندوق ليست صائبة وقابلة للتطبيق في كل الأحوال والدول، وعلى الدول ـ كل على حدة ـ التمعن بالتوصيات والحلول العامة التي يحض عليها الصندوق، التي قد يجلب بعضها آثارا كارثية أو عدم الاستقرار. لذلك يتحتم على الدول مراعاة خصوصياتها وتوازناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

يلاحظ حدوث تعديلات متلاحقة في التطلعات الاقتصادية حتى من أكثر الجهات العالمية ومراكز الأبحاث خبرة وموثوقية. وهذا يعود إلى طبيعة التطلعات، التي تبنى على البيانات والتجارب التاريخية وافتراضات معينة يقوم بها المختصون وذوو الخبرة. ونظرا إلى استحالة تحديد الأحداث والمتغيرات المستقبلية بدقة متناهية، وكذلك نقص وعيوب البيانات يجري مع مرور الوقت تعديل التطلعات مع تلاحق صدور البيانات وبروز متغيرات وأحداث جديدة.

من المؤكد أن التطلعات الصادرة أخيرا ستتغير مستقبلا وتبعا لأي انفراج للأزمات الحالية أو حدوث أي صدمات إيجابية وسلبية أو اشتداد الأزمات الحالية، وهذا يعني أن اشتداد أزمة الطاقة، خصوصا في أوروبا سيلحق مزيدا من الضرر باقتصاداتها، وسيؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي، كما أن زيادة المخاوف من التضخم ستجبر البنوك المركزية على تبني سياسات نقدية قد تكون أكثر تشددا من الحاجة، ما سيلحق مزيدا من الضرر بالاقتصاد العالمي ويخفض معدلات نموه.

في الجانب الآخر، قد تخف ضراوة الحرب الأوكرانية، خصوصا بعد الانفراج الأخير بخصوص صادرات الحبوب الأوكرانية، التي ستخفض أسعار الغذاء العالمية. ويبدو أن إنهاء النزاع الأوكراني دفعة واحدة بعيد المنال في المستقبل القريب، لكن قد تحل كل معضلة من المعضلات الناتجة عن الحرب وحدها. ومن المؤكد أن الدول الأوروبية وروسيا تدرك الخسائر الحالية من نزاعات الطاقة، لذلك فإن من مصلحة هذه الأطراف التوصل إلى حلول ولو جزئية لشح إمدادات الطاقة. وإذا حدث هذا فستتحسن التطلعات الاقتصادية وتخف الضغوط على أسعار الطاقة.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.