أزمة الغذاء

أزمة الجوع العالمية تتطلّب استجابة عالمية موحدة وعلى وجه السرعة

مجيد يحيى
مجيد يحيى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

نتشارك جميعاً العيش في عالم واحد، وبصرف النظر عن اختلاف التجارب التي يمرّ بها كل فرد منا، إلا أن روابط الحياة الإنسانية ستبقى راسخةً مدى الدهر.

وبسبب هذه الروابط تحديداً والقيم الإنسانية الفطرية المتمثّلة بالمحبة والرحمة والتعاطف، لا يمكننا - ولا ينبغي لنا - أن نتغاضى عن المحن التي يعاني منها الآخرون.

مع تصاعد الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم، نهتدي بشعار هذا العام لليوم العالمي للعمل الإنساني في 19 أغسطس للاحتفاء بمئات الآلاف من الأشخاص الذين يصنعون فرقاً ملموساً في حياة الآخرين والعالم أجمع ... أولئك الذين يعملون في قلب سلسلة القيمة للخدمات الاجتماعية، ويضعون حياتهم على المحك لمساعدة الأشخاص المتضررين أينما كانوا وأياً كانت محنتهم.

وتحت شعار "يد واحدة لا تصفق"، يسلط اليوم العالمي للعمل الإنساني الضوء هذا العام على أهمية التعاون والجهود الجماعية للنجاح في أداء مهامنا. ويستقي هذا الشعار الإلهام من القول المأثور "يتطلب الأمر قرية كاملة لتربية طفل واحد". وبالمثل، يتطلب الأمر جهوداً جماعية متكاملة لدفع مسار العمل الإنساني.

يعتبر الجوع واحداً من أكبر القضايا الإنسانية التي يواجهها العالم اليوم. ورغم انشغال وسائل الإعلام العالمية عن تغطية هذه القضية بالتركيز على أخبار الجائحة والنزاعات المسلحة، إلا أن خطورة وضخامة هذا التحدي تتصاعدان بمرور الوقت.

حتى وإن تمحورت أغلب الاهتمامات العالمية اليوم حول تغيّر المناخ وغيره من القضايا الملحّة المماثلة، فلا نبالغ بالقول إن جميع هذه التحديات ترتبط دوماً بالمهمة الإنسانية الأساسية المتمثلة بتوفير حياة خالية من الجوع لجميع بني البشر.

لقد ارتفع عدد الأشخاص المتضررين من الجوع بشكل هائل ليصل إلى 828 مليون شخص في عام 2021 بزيادة تجاوزت 150 مليوناً منذ عام 2019؛ وهذا أكثر من إجمالي عدد سكان أوروبا الذي يتخطى 740 مليون نسمة.

وثمة 345 مليون شخص في 82 دولة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي - وهو المستوى الذي يعرض حياتهم وسبل عيشهم لخطر داهم نتيجة عدم استهلاك الغذاء بكميات كافية. علاوةً على ذلك، يعيش ما يصل إلى 50 مليون شخص في 45 دولة على حافة المجاعة، وهناك أكثر من 880 ألف شخص يعيشون بالفعل في ظروف شبيهة بالمجاعة - وهو رقم ارتفع بواقع 10 أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية.

ومع هذا الارتفاع السريع في الأرقام، نبتعد شيئاً فشيئاً عن تحقيق هدفنا المشترك في القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بجميع أشكاله بحلول عام 2030– والذي يعتبر ركيزة أساسية لأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وبصفته إحدى المنظمات التي تقود الجهود العالمية لمكافحة الجوع، يبذل برنامج الأغذية العالمي قصارى جهده لمعالجة هذا الأمر، ولكنه يواجه فجوات تمويلية حادة. وكان البرنامج قد حشد في عام 2021 تمويلاً قياسياً قدره 9 مليارات دولار أمريكي، غير أن التطورات الراهنة رفعت ميزانيته المتوقعة لعام 2022 إلى 22 مليار دولار. ويبدو جلياً أن آفاق حل هذه المشكلة ستكون مسدودةً تماماً ما لم نصل إلى هذا المبلغ أو حتى نصفه.

وفي عالم نتمتع فيه بمعايير أفضل من أسلافنا من حيث مستوى المعيشة والمعرفة والوصول إلى التكنولوجيا، من الصادم حقاً أن الوصول إلى الغذاء لا يزال بعيد المنال بالنسبة للكثيرين. والأمر الأكثر مدعاةً للصدمة هو أن الجوع لم يعد يقتصر على مناطق جغرافية ومجتمعات بعينها، وإنما بات يشكل تهديداً حقيقياً لنا جميعاً.

وكان برنامج الأغذية العالمي على مر تاريخه "أول الحاضرين على مسرح الكوارث" لتقديم الدعم والإغاثة اللازمين؛ إذ إننا نمتلك الكوادر والأنظمة والشبكات الضرورية لتقديم المساعدة الفورية، ونضمن وصول الموارد المناسبة إلى المحتاجين إليها باستخدام تقنيات مختلفة - مثل القياسات الحيوية - لتحقيق أهدافنا بدقة.

وعلى نفس القدر من الأهمية، عملنا مع العديد من الشركاء لضمان استقرار النظم الغذائية الوطنية وسلاسل التوريد لمعالجة الأسباب الجذرية للجوع والقضاء عليه.

وفي عام 2021، ساعدنا ما يزيد على 128 مليون شخص في أكثر من 120 دولة ومنطقة حول العالم. ومع ذلك، فإن الاحتياجات الغذائية العالمية ستتخطى قريباً قدرة برنامج الأغذية العالمي أو أي منظمة أخرى على الاستجابة إذا استمر الوضع على هذا المسار الكارثي.

ولسوء الحظ ومع تضاؤل الموارد المتاحة بين أيدينا، أعدنا توجيه جهودنا مؤخراً لمساعدة الفئات الأشد ضعفاً ممن يعيشون على حافة المجاعة، وقد يكون لذلك عواقب وخيمة بطبيعة الحال.

وفي هذا اليوم العالمي للعمل الإنساني، أحث قريتنا العالمية وأدعو الحكومات والمنظمات والأفراد إلى المشاركة في الجهود الإنسانية العالمية لمكافحة الجوع بجميع أشكاله.

إن العطاء والمُثل الخيرية متجذرة في ثقافة هذه المنطقة ومجتمعاتها؛ وعندما يتكشف الوضع الحالي على نحو أكثر وضوحاً، سنجد الكثيرين حتماً يبادرون إلى تقديم الدعم اللازم بصرف النظر عن مقدار مساهمتهم.

لقد رأينا بأم أعيننا مدى ترابط المجتمعات البشرية وكيف أن الأحداث التي تبدو بعيدة هي أقرب مما نعتقد. ولا تزال هناك فسحة من الأمل لإحداث فرق ملموس من خلال توحيد جهودنا لإنقاذ إخواننا من أزمة الجوع.

كنا جميعاً سنتطلع لمن يمد لنا يد المساعدة لو كنا مكانهم، وقد يصبح ذلك واقعاً أقرب مما نتصور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط