.
.
.
.
نفط وغاز

قطاع النقل .. التحدي الجديد لسوق النفط

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

مع تفاقم أزمة الطاقة العالمية، خاصة في أوروبا، لا يتم التطرق كثيرا إلى أحد الجوانب المهمة في سلسلة توريد الطاقة، قطاع النقل خصوصا البحري. منذ أن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا، زاد الطلب على الناقلات، خصوصا تلك التي يمكنها الإبحار في المناطق الجليدية التي تعرف بـ ice-class tankers، وسيزداد هذا الاتجاه في الأشهر المقبلة مع دخول حظر الاتحاد الأوروبي على النفط والوقود الروسي حيز التنفيذ في أوائل كانون الأول (ديسمبر) للنفط الخام، وبعد شهرين للمنتجات النفطية. إذا حدث نقص في ناقلات البحار الجليدية، من المحتمل أن تتطور تجارة جديدة تتضمن عمليات النقل من سفينة إلى سفينة. يمكن أن يؤدي ذلك، على سبيل المثال، إلى تحميل ناقلة من فئة الجليد بوقود الديزل في روسيا، وتفرغ الحمولة في سفينة أخرى مرة واحدة في مكان أكثر دفئا التي تكمل الرحلة بعد ذلك. في هذه الأثناء، يمكن للسفينة فئة الجليد الإبحار مرة أخرى إلى المياه الباردة حيث تشتد الحاجة إليها.

بالفعل، يقوم مالكو شركات شحن النفط باقتناص الناقلات التي يمكنها نقل الشحنات في البحار الجليدية، وهو تطور يمكن أن يساعد على التغلب على خطر اختناقات الشحن هذا الشتاء. خلال الفترة من أيار (مايو) إلى آب (أغسطس) تم إنفاق نحو مليار دولار على ناقلات الجليد المستعملة، أي ما يقرب من خمسة أضعاف المبلغ المستثمر في العام السابق، وفقا لوسطاء الشحن في لندن. حيث إن السفن ستكون ضرورية لمواصلة نقل النفط والوقود الروسي في اتجاهات غير أوروبية، لأن الاتحاد الأوروبي لن يكون قادرا على شرائها مباشرة، على الرغم من أن المشترين الأوروبيين يقومون حاليا بتخزين النفط والوقود الروسي تحسبا لذلك الحظر.

بالفعل، أدت الأزمة الأوكرانية واستجابة الاتحاد الأوروبي لها إلى تنشيط سوق الناقلات العالمية إلى حد كبير - ومعها، تكاليف شحن الهيدروكربونات. فمنذ 24 شباط (فبراير)، ارتفع الطلب على الناقلات، ومن المرجح أن يظل قويا في المستقبل المنظور، لأسباب ليس أقلها أن العرض محدود للغاية.

بالتزامن مع ذلك، تم بناء عدد قليل جدا من الناقلات في الأعوام القليلة الماضية، وبما أن هذا ليس شيئا يمكن للصناعة عكسه بين عشية وضحاها، فمن المحتمل أن يظل عرض الناقلات متشددا، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة نقل النفط والوقود. في هذا الجانب، ذكرت وكالة "بلومبيرج" في الشهر الماضي، أن سوق الناقلات العالمية تشهد أقوى طلب منذ أكثر من عقدين. وأضافت الوكالة أن متوسط ربح ناقلة المنتجات النفطية قفز في بداية آب (أغسطس) إلى 400 ألف دولار - وهو الأعلى منذ 25 عاما. حاليا، من المحتمل أن يكون هذا الرقم أعلى من ذلك، وسيستمر في الارتفاع، حيث في الأشهر المقبلة من المتوقع أن يتفوق الطلب على المنتجات على العرض. أسواق المنتجات بالفعل متشددة، لكن مع دخول الحظر حيز التنفيذ، فإنه سيصبح أكثر تشددا، ما يزيد من حدة المنافسة على أسطول محدود من ناقلات الوقود.

في هذا الجانب، قالت شركة الشحن الدنماركية تورم، "إن حظر الاتحاد الأوروبي على المنتجات النفطية الروسية اعتبارا من شباط (فبراير) 2023 سيؤدي إلى إعادة تقويم نظام تجارة النفط". وأضافت الشركة، "لقد بدأ بالفعل بعض عمليات إعادة التقويم التجارية هذه". وستشمل عمليات إعادة التقويم، ليس فقط مزيدا من الناقلات لنقل الوقود الروسي والخام إلى وجهات غير أوروبية، لكن أيضا مزيدا من الناقلات لتزويد أوروبا بالنفط والوقود من مناطق غير روسية، بما في ذلك، على الأرجح، أماكن مثل الصين والهند التي تعالج النفط الخام الروسي وتحوله إلى منتجات، ثم تقوم بتصديره بعد ذلك إلى أوروبا ودول أخرى. علاوة على هذا التشدد المتوقع في سوق الناقلات، الذي سيكون له تأثير ملموس في أسعار الوقود، أسواق الوقود العالمي متشددة أيضا ومن المرجح أن تظل كذلك في الأعوام المقبلة. وفقا لستاندرد آند بورز، السبب في تشدد أسواق المنتجات هو الانخفاض الكبير في طاقات التكرير العالمية في الفترة بين آذار (مارس) 2020 وتموز (يوليو) 2022 التي بلغت أكثر من 3.75 مليون برميل يوميا.

وفي الوقت الذي تقلصت فيه طاقات التكرير، زاد الطلب على الوقود بمقدار 5.6 مليون برميل في اليوم، ما أوجد فجوة كبيرة مع العرض القائم على طاقة التكرير. من المتوقع، إضافة نحو مليوني برميل يوميا من طاقات التكرير الجديدة بحلول نهاية العام المقبل ما لم تحدث تأخيرات، وهو أمر مرجح للغاية، وفقا لستاندرد آند بورز.

إضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن تكون هناك زيادات إضافية كبيرة في طاقات التكرير، نظرا إلى أن المصافي تعتقد أن الدفع نحو تحول الطاقة سيحول طاقات التكرير الجديدة المحتملة إلى أصول عالقة. في هذه الحالة، لا تبدو الآفاق جيدة بالنسبة إلى القدرة على تحمل تكاليف الوقود أو توافره على نطاق واسع. مع دخول حظر النفط والوقود حيز التنفيذ، ستتجه روسيا إلى عملاء جدد في آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية. سيحتاج الاتحاد الأوروبي نفسه إلى الحصول على وقوده من أماكن مثل الشرق الأوسط والولايات المتحدة، وكما ذكرنا آنفا من الهند والصين. أوروبا تعاني نقصا هيكليا في وقود الديزل وستحتاج بلا شك إلى استبدال الواردات الروسية بمجرد بدء الحظر بشحنات من مصدرين مثل المملكة، الصين، الهند. هؤلاء الموردون بعيدون بشكل كبير، ما يزيد الضغوط على أسطول ناقلات المنتجات النفطية. بالفعل، أظهرت بيانات بورصة البلطيق أن تكاليف نقل الوقود المكرر ارتفعت منذ بداية العام.

نظرا إلى تشدد حالة العرض، الذي سيضيف بالتأكيد علاوة على أسعار الوقود، فليس مستبعدا أن تختار الدول التي تستورد النفط والوقود من روسيا، مثل العملاقين الآسيويين، أن تفعل ما تفعله الصين مع الغاز الطبيعي المسال الروسي، إعادة بيعه إلى أوروبا بسعر أعلى. في غضون ذلك، تعاني الولايات المتحدة قيودها الخاصة فيما يتعلق بمخزونات الوقود، ولا سيما مخزونات نواتج التقطير المتوسطة والديزل ووقود الطائرات. ما يعنيه هذا بالنسبة إلى أوروبا هو أن المساعدة التي يمكن أن تتوقعها من الولايات المتحدة في شكل صادرات وقود أعلى ستكون محدودة، ببساطة لا يوجد وقود ديزل كاف للتصدير. قد يضيف هذا علاوة أخرى على أسعار الوقود هذا الشتاء. سوق الناقلات والوقود على وشك جعل تكلفة الوقود أعلى هذا الشتاء، في وقت يحاول فيه العالم مكافحة التضخم.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة