.
.
.
.
شركات ناشئة

ثقافة ريادة الأعمال .. كيف نبنيها؟ "2 من 3"

سعد علي الحاج بكري

نشر في: آخر تحديث:

طرح المقال السابق موضوع بناء ثقافة ريادة الأعمال. وذكر أن بناء أي ثقافة يتمثل في تحفيز السلوك باتجاه متطلباتها، وأن ريادة الأعمال المستهدفة تعني السبق في إطلاق مؤسسات أعمال تقدم معطيات مبتكرة داعمة للتنمية، تسعى إلى توليد الثروة، وتهتم بتشغيل اليد العاملة. وبين المقال أن اكتساب الإنسان ثقافة ريادة الأعمال يوجه سلوكه نحو الإبداع المهني، من أجل الاستفادة من معطياته، مع الاستعداد أيضا لقبول المخاطر والتحديات التي قد تواجهه.

وأوضح المقال أن رائد الأعمال إنسان مبتكر ومولد للأفكار، أو ربما ممكن فاعل لها، قادر على تحويلها، أو قيادة تحويلها بالتعاون مع آخرين، إلى سلع وخدمات متميزة وإجراءات فاعلة غير مسبوقة. وبين المقال أيضا أن معطيات ريادة الأعمال المستهدفة لا تهتم بالضرورة بالاستجابة لمتطلبات السوق فقط، بل يمكن أن تكون استباقية، يؤدي وجودها في السوق إلى توليد الحاجة إليها.

يتحدث هذا المقال عن برنامج تنمية القدرات البشرية الذي طرح في وثيقته الإعلامية، الصادرة في 2021، هدفا لافتا وجذابا يسعى إليه هو "إعداد المواطن المنافس عالميا". يأتي هذا الهدف في إطار سعي البرنامج إلى الإسهام الفاعل في تحقيق رؤية المملكة 2030.

حددت وثيقة البرنامج، توجهات لعمله شملت بناء ثقافة الابتكار وريادة الأعمال. وسنبدأ حديثنا بنظرة أولية حول ورود الابتكار إلى جانب ريادة الأعمال في طروحات الوثيقة، ثم ننتقل إلى بيان أهمية ريادة الأعمال في الركائز التي تعرضها الوثيقة لإعداد المواطن المنافس عالميا. وسنتطرق بعد ذلك إلى مناقشة البيئة المطلوبة لتفعيل ريادة الأعمال، كما عرضتها وثيقة البرنامج. ونمهد أخيرا للمقال الثالث المقبل حول استكمال الموضوع.

نلاحظ، في النظرة الأولى ورود تعبير "ثقافة الابتكار وريادة الأعمال" مرات عدة في وثيقة برنامج تنمية القدرات البشرية، ونلاحظ أيضا أن ورود "ريادة الأعمال" في الوثيقة، كان يقترن في الأغلب بوجود الابتكار إلى جانبها، بل حتى سابقا لها. وليس الأمر مستغربا هنا، فريادة الأعمال مرتبطة فعلا بالابتكار، بل إن الابتكار كامن في بنيتها. فإذا كانت ريادة الأعمال تقدم للسوق عطاء متميزا، غير مسبوق، ويحمل قيمة، فهي إذا تقدم ابتكارا، بل إنها تضع له أيضا مقومات الحياة في السوق، لكي يستطيع الإسهام في التنمية.

قد يكون رائد الأعمال هو ذاته المبتكر، وقد لا يكون. فإن لم يكن هو المبتكر، فسيكون دوره هو التعاون مع المبتكر، وتأمين الاستثمار في الابتكار، ونقله إلى السوق، وإدارة شؤونه، نحو تحقيق النجاح الذي يتمثل في توليد الثروة وتشغيل اليد العاملة. وسواء ذكر الابتكار مع ثقافة ريادة الأعمال أو لم يذكر، فإن حضوره كامن فيها، وقائم على أرض الواقع. ويعد برنامج تنمية القدرات البشرية أن على المواطن المنافس عالميا أن يتحلى بثقافة الابتكار وريادة الأعمال، لكي يكون عنصرا فاعلا في تحقيق التنمية وتعزيز استدامتها.

ونأتي إلى موضوع ريادة الأعمال في ركائز برنامج تنمية القدرات البشرية، كما طرحتها وثيقته. تشمل هذه الركائز ثلاثا: تطوير أساس تعليمي مرن ومتين للجميع، والإعداد لسوق العمل المستقبلي محليا وعالميا، وإتاحة فرص التعليم مدى الحياة. وتبرز الوثيقة، في إطار ركيزة تطوير الأساس التعليمي، موضوع اكتساب المهارات الأساسية المطلوبة في القرن الـ21. وبالطبع، فإن مهارات ريادة الأعمال هي من المهارات الأساسية المطلوبة، كما أوضح كتاب "نحو ثقافة ريادة الأعمال في القرن الـ21: تحفيز ريادة الأعمال عبر التعليم الثانوي" الصادر عن "اليونسكو"، الذي سنتطرق إليه في المقال المقبل بمشيئة الله.

تبرز وثيقة البرنامج، في ركيزة الإعداد لسوق العمل المستقبلي محليا ودوليا، موضوع تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال كعنصر أساس في هذا الإعداد، لأن هذه الثقافة معنية بالسبق في الأعمال المختلفة وتشغيل اليد العاملة. وتطرح الوثيقة في ركيزة إتاحة فرص التعلم مدى الحياة، ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، كواحدة من متطلباتها، لأن ريادة الأعمال تحتاج إلى متابعة مستمرة للتجدد المعرفي، وتعد فرص التعلم مدى الحياة وسيلة رئيسة للعمل على تحقيق ذلك.

وننتقل إلى البيئة المطلوبة لتفعيل ريادة الأعمال، حيث عرضت وثيقة البرنامج عددا من الأفكار المضيئة في هذا المجال. وشملت هذه الأفكار موضوع التوعية الإعلامية بثقافة ريادة الأعمال من أجل إبراز أهمية هذه الثقافة أمام الجميع. وتضمنت الأفكار أيضا، الاستثمار في رأس المال البشري المحرك للابتكار وريادة الأعمال. واهتمت هذه الأفكار أيضا بموضوع ثقافة العمل الجاد التي تشجع الالتزام، وتحفز التميز، وتسعى إلى الإنجاز، وهذه بالطبع متطلبات تحتاج إليها ريادة الأعمال.

طرحت الأفكار أيضا موضوع ثقافة التطوير الذاتي التي ترتقي بإمكانات الإنسان، وتعزز قدرته على الابتكار وريادة الأعمال. وتستطيع هذه الثقافة الاستفادة من الفرص التي يتيحها البرنامج للتعلم مدى الحياة. وأبرزت الوثيقة بعد ذلك مسألة العمل التطوعي الذي يجعل الإنسان أقرب إلى التفاعل مع المجتمع، والتواصل مع احتياجاته، ما يعزز قدرته على إطلاق مبادرات ناجحة في مجالات ريادة الأعمال.

ولم تخل وثيقة البرنامج من توجيه النقد إلى الوضع الراهن لريادة الأعمال من أجل العمل على تطويره نحو الأفضل. وتطرح الوثيقة في هذا المجال موضوعات ضعف المحفزات والموارد المالية، وقلة مراكز الأبحاث المرتبطة بالسوق، وغياب سياسات تمكين موظفي القطاع العام من ريادة الأعمال.

وإذا أردنا في الختام أن نتوقف عند ما قدمه هذا المقال، وما أعطاه المقال السابق، تمهيدا لإكمال صورة ثقافة ريادة الأعمال في المقال المقبل، فإننا نجد التالي. أعطى المقال السابق قاعدة معرفية لموضوع ثقافة ريادة الأعمال تبرز معانيها وتوجهاتها والحاجة إليها من أجل التنمية، بما يشمل توليد الثروة وتشغيل اليد العاملة. أما هذا المقال فقد اقترب إلى ما يجري في الوقت الحاضر، وناقش موضوع ريادة الأعمال في إطار ما طرحته الوثيقة الإعلامية لبرنامج تنمية القدرات البشرية.

* نقلا عن صحيفة الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة