اقتصاد

الهوية الرقمية بين التعدد والتوحيد

سعد علي الحاج بكري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

عندما نتحدث عن الهوية، فنحن نتحدث عن انتماء أو تابعية لوحدة استراتيجية معينة، أو عضوية فيها. هناك الهوية الوطنية التي تعبر عن انتماء الشخص إلى وحدة استراتيجية كبرى هي الوطن، حيث تحمل هذه الهوية رقما خاصا لا يتغير، يبقى مع الإنسان ابتداء من يوم الولادة حتى يوم الرحيل. وهناك جواز السفر المتفرع عن الهوية الوطنية، الذي يعطي صاحبه بعدا حركيا واسعا يشمل العالم بأسره. ثم هناك الهوية الوظيفية المرتبطة بوحدة استراتيجية أخرى هي جهة العمل. ثم هناك هوية البنك المتمثلة برقم الحساب، وهوية النادي الرياضي، وهوية الاشتراك في خدمات البنية الأساسية، مثل خدمات الكهرباء، والماء، وهوية الرعاية الصحية، إضافة إلى هويات أخرى تعبر عن ارتباط الإنسان بوحدات استراتيجية مختلفة.

وهكذا نجد أن لكل منا هويات عدة، يمكن أن تزيد وتنقص تبعا لارتباطات الإنسان، لكن تبقى الهوية الوطنية أساسا يستند إليه جميع الهويات المتعددة الأخرى.

تحتفظ الهوية الرقمية، في العالم السيبراني، بخصائص الهوية التقليدية وتعددها، وتضيف إليها خصائص جديدة. فكل هوية رقمية ترتبط بكلمة سرية تتيح لصاحبها الدخول إلى الموقع الإلكتروني للوحدة الاستراتيجية المعنية، وتلقي المعلومات والخدمات التي تقدم لأصحابها. وفتح العالم السيبراني الباب أمام عديد من الهويات الرقمية الأخرى لكل فرد، مثل عناوين البريد الإلكتروني، وعناوين الخدمات الحكومية الإلكترونية التي تقدمها الوزارات والإدارات المختلفة، إضافة إلى عناوين مختلف شبكات التواصل الاجتماعي التي تشهد تزايدا في الأثر على المجتمعات الإنسانية المختلفة. وهكذا لم ترث الهوية الرقمية تعددية الهوية التقليدية فقط، بل أضافت إليها مزيدا من التعددية.

لا شك أن الهوية، بشكليها التقليدي والرقمي، تمثل وسيلة لإدارة شؤون أصحابها، والتعرف عليهم، والتعامل معهم، وتقديم الخدمات المختلفة إليهم. لكن تعدديتها مثلت تعقيدا يطلب إيجاد الحلول المناسبة له. ولاحظت الحكومة البريطانية، في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، أي قبل أكثر من ربع قرن، أن معظم الإدارات الحكومية تعمل بشكل مستقل عن الإدارات الحكومية الأخرى. وعبرت عن ذلك بالقول إن ذلك يشير إلى أن العمل الحكومي مبني على الهيكلية العمودية، التي تشمل وجود كيان عمودي منفصل لكل جهة، وعدت أن في ذلك ضعفا في التواصل الأفقي فيما بينها، وأن ذلك يؤدي إلى انخفاض في مستوى الأداء الحكومي.

نتيجة لما سبق أطلقت الحكومة البريطانية، في 1997، مبادرة سمتها "الحكومة المنضمة Joined-Up Government". تستهدف هذه المبادرة إقامة جسور أفقية بين كيانات الوزارات والإدارات الحكومية، بما يعزز الأداء الحكومي، خصوصا في الموضوعات التي تتطلب أعمالا مشتركة بين هذه الوزارات والإدارات. تجدر الإشارة هنا إلى أن مبدأ التواصل ومد الجسور بين الجهات الحكومية المختلفة من أجل أداء حكومي أفضل، ورد أيضا في مسألة بناء "المدن الذكية"، وتحدثنا عن ذلك في مقال على هذه الصفحة في 13 تموز (يوليو) 2017.

استقبلت المبادرة البريطانية حول الحكومة المنضمة استقبالا حسنا على المستوى الدولي، وفي الأعوام الأولى من القرن الـ21، برزت أفكار وآراء بشأنها، حيث استبدل عنوانها "نهج الحكومة المنضمة" بعنوان جديد هو "نهج كامل الحكومة Whole of Government Approach". وتم نشر تقرير دولي حول هذا النهج في 2012 من قبل "المعهد الدولي لتقنية البرمجيات التابع لجامعة الأمم المتحدة، التابعة بدورها لمنظمة الأمم المتحدة UNU-IIST". تجدر الإشارة إلى أن مقر هذه الجامعة يقع في اليابان، وأن مقر المعهد يقع في الصين.

كان لموضوع "نهج كامل الحكومة" أثر فاعل في تطوير أنظمة الحكومة الإلكترونية، والاستجابة للحاجة إلى تنفيذ الخدمات الإلكترونية الحكومية التي تتطلب تنفيذ إجراءات تتضمن عمليات يقوم بها أكثر من جهة حكومية، وبشكل مباشر، من خلال البوابة الإلكترونية ذات العلاقة. وأضيفت إلى ذلك، الإجراءات التي تتطلب عمليات مالية، مثل دفع رسوم الخدمات عبر البنوك. وتم مثل ذلك أيضا في التعامل مع خدمات الشركات المختلفة، مثل شركات الاتصالات والكهرباء والماء، إضافة إلى المؤسسات الصحية.

نشأت، عبر العمل على تنفيذ نهج كامل الحكومة، أفكار تسعى إلى تطوير هذا النهج، وعدم اكتفائه بكامل الحكومة، بل جعله مستوعبا كامل الوطن، إضافة إلى أفكار تدعو إلى توحيد الهوية الرقمية. وأبرز التقرير الدوري "للدراسة المسحية للحكومة الإلكترونية في دول العالم المختلفة E-Government Survey 2020"، نهج كامل الحكومة بجانب الحاجة إلى توحيد الهوية الوطنية وإقامة "بوابة إلكترونية حكومية واحدة One-Stop" تسمح لكل فرد عبر هويته الواحدة بتلقي جميع الخدمات الإلكترونية الحكومية. وفي حال تطبيق نهج كامل الوطن، تصبح هذه الهوية تعريفا مناسبا لجميع الخدمات والنشاطات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

يسمح تبني وجود هوية إلكترونية واحدة للشخص الواحد، على كل من المستوى الحكومي، ومستوى الوطن، وربما مستوى العالم أيضا، بفوائد متعددة. فهو يتيح للفرد تلقي الخدمات، وتنفيذ النشاطات المهنية والاجتماعية، والشراكة في هذه النشطات مع الآخرين، وأداء الواجبات، والمطالبة بالحقوق، وذلك عبر هويته الواحدة. بذلك يحصل كل فرد على سجل كامل لكل ما سبق تحت عنوان هذه الهوية. في المقابل، تبرز هنا قضيتان مهمتان ومتكاملتان. أولاهما حماية أمن هذه الهوية، فأي سرقة لها، ولكلمة أو أسلوب المرور الذي يقود إلى النفاذ إلى نشاطات صاحبها، تسمح بانتحال السارق لصاحب الهوية، والتعدي على جميع جوانب حياته. أما القضية الأخرى، فترتبط بالمحافظة على خصوصية المعلومات حول صاحب الهوية، من قبل جميع الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة.

إذا نظرنا إلى المستقبل، على أساس ما سبق، فلعلنا نرى أن تطور العالم السيبراني وخدماته المختلفة يتوجه نحو توفير هوية إلكترونية واحدة لكل شخص، وسجل إلكتروني واحد لجميع نشاطاته باستخدام هذه الهوية. ويضاف إلى ذلك أن معطيات الذكاء الاصطناعي ستكون في خدمة هذه الهوية سواء في بناء السجل الإلكتروني لنشاطات صاحبها، أو في حمايتها، والمحافظة على خصوصية هذا السجل، أو ربما في أمور حديثة مبتكرة أخرى لم ندركها بعد.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط