اقتصاد أميركا

تدني البطالة رغم التشدد النقدي

سعود بن هاشم جليدان
سعود بن هاشم جليدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في مسعى حثيث للتصدي للتضخم، تبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي" الأميركي منذ بداية 2022 سياسات نقدية متشددة حيث أوقف عمليات التيسير الكمي ورفع معدلات الفائدة الأساسية في اجتماعاته الماضية. ورغم التأثيرات القوية لسياسة مجلس الاحتياطي على الاقتصاد العالمي، إلا أن عينه تركز بالدرجة الأولى على تطورات الاقتصاد الأميركي.

ويحاول المجلس الحد من سخونة الاقتصاد الأميركي للسيطرة على التضخم، وإرجاعه لمعدل استهدافه التاريخي 2 في المائة من خلال رفع معدلات الفائدة الأساسية التي يتوقع أن يستمر في رفعها حتى تتجاوز 5 في المائة. وتتطلب السيطرة على التضخم أيضا وقف الضغوط على الأجور والحد من نموها الذي لن يتم إلا إذا أخذت معدلات البطالة في الارتفاع.

ورغم الارتفاع الكبير في معدلات الفائدة وتكاليف الائتمان ما زال الاقتصاد الأميركي يولد كما كبيرا من الوظائف.

أضاف الاقتصاد الأميركي ما يقارب من 4.5 مليون وظيفة العام الماضي.

أما حديثا فتظهر بيانات التوظيف في الولايات المتحدة نموا في عدد الوظائف بأكثر من نصف مليون وظيفة في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي.

وتدنت معدلات البطالة في الولايات المتحدة إلى 3.4 في المائة، وهي أدنى نسبة منذ أكثر من 50 عاما.

من جانب آخر، واصلت معدلات الأجور ارتفاعها، حيث نمت على أساس سنوي بنسبة 4.4 في المائة في شهر كانون الثاني (يناير) 2023.

تظهر البيانات نجاحا جزئيا لسياسات التشدد النقدي في خفض معدلات التضخم السنوي إلى 6.3 في المائة الشهر الماضي، لكن معدلات البطالة المنخفضة، واستمرار نمو الأجور، تثيران الهواجس حول مدى نجاح مجلس الاحتياطي في كبح التضخم. ويفوق الطلب على الموظفين عدد طالبي الوظائف، ما يعطي الموظفين قوة تفاوضية لزيادة الأجور.

وإذا استمر نمو الأجور بمعدلات مرتفعة فهذا سيعزز الضغوط على الأسعار ويبقي معدلات التضخم فوق النسبة المستهدفة.

يعود تراجع معدلات البطالة في الولايات المتحدة رغم سياسات التشدد النقدي لعدد من الأسباب، لعل من أبرزها ازدياد فترة تخلف تأثير السياسات النقدية في الاقتصاد عما كان سابقا.

وكانت معدلات الفائدة منخفضة جدا وظلت منخفضة حتى منتصف العام الماضي، وتطلبت زيادتها فترة طويلة.

ويتطلب التأثير الكامل للسياسات النقدية بعض الوقت، وربما يستغرق التأثير الكامل للسياسات النقدية هذه المرة أطول من السابق، ولهذا لا بد من الانتظار بعض الوقت.

اقتصرت جهود مكافحة التضخم تاريخيا وبشكل تقريبي على استخدام السياسات النقدية نظرا للعوامل السياسية التي تحد من استخدام السياسات المالية.

ويتطلب استخدام السياسات المالية للحد من التضخم إما خفض الإنفاق أو رفع الضرائب وكلاهما مكلف سياسيا، لهذا تجنب صناع القرار -قدر الإمكان- خلال العقود الماضية استخدام السياسات المالية لمكافحة التضخم.

في الجانب المقابل تسارع حكومات العالم بما فيها الحكومة الأميركية، إلى استخدام السياسات المالية في حالات الانكماش الاقتصادي، حيث ترفع الإنفاق أو تخفض الضرائب أو تزيد التحويلات، وذلك لأهداف سياسية ولشعبية هذه الإجراءات. وشهدت السياسات المالية توسعا قويا خلال الجائحة واستمر الإنفاق الحكومي الأمبركي القوي حتى بعد مرور الجائحة، ما غذى الطلب الكلي وأسهم في رفع معدلات التضخم. وسيستمر تأثير الإنفاق المالي بعض الوقت، ما سيحفز الاقتصاد لمزيد من توليد الوظائف.

وتظهر بيانات الناتج المحلي الأميركي بعض النمو المحدود في الربعين الأخيرين من 2022، ما يعود ولو جزئيا للتوسعات المالية القوية خلال الأعوام الثلاثة الماضية التي لا تتواءم مع السياسات النقدية منذ بداية العام الماضي.

استمرار تراجع معدلات البطالة أيضا قد يعود إلى عوامل بنائية تسارع حدوثها مع جائحة كورونا. ولعل من أبرز تلك العوامل تراجع نسبة مشاركة العمالة من إجمالي السكان القادرين على العمل.

وانخفضت نسبة مشاركة القوى العاملة من 66.4 في المائة في 2003 إلى 63.3 في المائة في بداية أزمة كورنا أول 2020. لكن نشوب الأزمة هبط بنسبة مشاركة القوى العاملة خلال ثلاثة أشهر إلى 60.1 في المائة في شهر نيسان (أبريل) 2020. بعد ذلك عاودت نسبة المشاركة الارتفاع التدريجي حتى وصلت إلى 62.4 في المائة في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، لكنها ما زالت أقل من نسبتها قبل الأزمة.

أما حجم القوى العاملة، فقد تراجع بقوة بعد الأزمة ثم عاود الارتفاع التدريجي، لكنه رغم النمو السكاني لم يتجاوز مستويات ما قبل الأزمة إلا في منتصف 2022.

هوى الناتج المحلي الأميركي الحقيقي عند بداية أزمة كورنا ولم يعاود مستوياته التي كان عليها إلا في النصف الثاني من 2021. أما عدد العاملين الإجمالي فلم يتجاوز مستويات ما قبل الأزمة إلا بعد عام من ذلك، أي: في منتصف 2022.

لهذا فإن جزءا كبيرا من تراجع معدلات البطالة يعود لتراجع نسب مشاركة السكان في العمل أو طلب العمل، أما باقي التأثير فقد يعود لاستمرار نمو الاقتصاد بسبب التحفيز المالي وتأخر تأثير السياسات النقدية، وكذلك التغيرات الهيكلية التي تسببت فيها أزمة كورونا وقادت إلى عزوف أو إحباط بعض القوى العاملة.

إن التجربة الأميركية الحالية في مجال التوظيف تثير اهتمام كثيرين وتساؤلاتهم. لهذا، فإن دراسة هذه التجربة، وتحولات سوق العمل خصوصا التي نتجت عن أزمة كورونا، والتطورات التقنية المصاحبة، ستفيد دولا أخرى في مجالات التوظيف وخفض معدلات البطالة.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط