تضخم

التضخم العنيد وفكرة "سحق الاقتصاد"

علاء المنشاوي
علاء المنشاوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

مر نحو عامين على بداية ارتفاع التضخم عالميا ولا تزال السجالات مستمرة بشأن مساره والآليات الناجعة في ترويضه وصولا إلى المستويات المستهدفة من البنوك المركزية وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي.

تمسك الفيدرالي بأن ارتفاع معدل التضخم أو ما يعرف بزيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية مثل الأطعمة والطاقة والنقل والملابس، وارتفاع تكلفة المعيشة "تضخما عابرا"، وهذا لفترة أطول من الزمن، رغم اعتراضات بعض الاقتصاديين ومنهم محمد العريان.

التمسك بالتضخم العابر من قبل الفيدرالي كلف الاقتصاد الكثير، وفاقم معاناة الكثير من الأسر سواء في داخل أميركا أو في خارجها، حيث استمرت عمليات التيسير النقدي لفترة أطول ما جعل التضخم مترسخا، وبالتالي لم تعد تنفع معه الحلول السهلة، أو التي تستغرق فترة زمنية أقصر.

رغم الخطأ الذي ارتكبه الفيدرالي في تأخر التعامل مع التضخم على أنه ليس عابرا، إلا أن هذا الأمر على درجة عالية من التعقيد، إذ لم بمر تاريخيا أيا من البنوك المركزية العريقة بمثل هذه التجربة، فالواقع مختلف هذه المرة. كما لم يحصل من قبل أن نجح بنك مركزي في مكافحة التضخم دون دفع ثمن ذلك اقتصاديا أو حتى حدوث ركود.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي وتجد البنوك المركزية صعوبة في تحقيق أهدافها على صعيد خفض معدلات التضخم دون التضحية إلى حد كبير بالنشاط الاقتصادي، ولهذا يرى خبراء اقتصاد شاركوا في ندوة نظمتها كلية "بوث للأعمال" التابعة لجامعة شيكاغو في نيويورك، أنه يتحتم على الاحتياطي الفيدرالي تشديد سياسته إلى حد كبير لتحقيق هدفه للتضخم بحلول نهاية 2025.

المثير في هذا الطرح هو طول أمد التضخم وبقاءه مرتفعا لفترة أطول مما كان يعتقد الجميع، بما في ذلك من كان أكثر الاقتصاديين تشاؤما، والذين توقعوا هبوط معدلات التضخم وبدء عكس السياسة النقدية المتشددة خلال العام 2024.

وقد عاود التضخم الارتفاع في يناير. وأظهرت بيانات حكومية ارتفاع أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، بنسبة 0.5% في يناير، وهو أكبر ارتفاع في ثلاثة أشهر، وجاء معدل التضخم السنوي أعلى من المتوقع، وهذا سيدفع لمواصلة جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمواصلة التشديد النقدي لفترة أطول.

يشبه البعض باول برئيس الفيدرالي بول فولكر في الثمانينات (من 1979 حتى 1987)، والذي رفع معدلات الفائدة بصورة كبيرة للتصدي لفورة التضخم، حينما أدت السياسة النقدية في ذلك الحين إلى بطالة أعلى من 10%، إلا أن الحالة هذه المرة مختلفة بعض الشئ.

فنسبة البطالة في أميركا في أدنى مستوياتها. بلغت 3.4%، في يناير، فيما لا يزال هناك نقص في اليد العاملة، كما أن تطبيق النظريات الاقتصادية صعب في ظل اختلاف الواقع وجائحة كورونا غير المسبوقة، وبالتالي فإن فقدان المصداقية يمثل تحديا كبيرا قد يدفع باول وزملاؤه إلى التمسك بمستويات التضخم المستهدفة عند 2%، حتى وإن أدى ذلك إلى "سحق الاقتصاد"، كما يرى محمد العريان.

كل هذه التعقيدات تفرض عددا من السيناريوهات للتعامل مع الأزمة الحالية، خاصة بعد أن بدأت الأسواق تسعر أسعار فائدة عند 5.5%، بعد البيانات التي أعلنت في أميركا مؤخرا، والاحتمال الأول والأكثر تفاؤلا أن يهبط االتضخم بشكل ثابت وأن لا ترتفع الأجور.

الاحتمال الثاني هو هبوط التضخم من المستويات الحالية إلى 3 أو 4%، وبعدها سيكون عنيدا، ولن يكمل الهبوط إلا بإجراءات مختلفة وأكثر تشددا، وهذا السيناريو هو الذي دفع العريان للقول بأن الفيدرالي قد يلجأ إلى "سحق الاقتصاد"، وقال "لا أعتقد أنهم يستطيعون الوصول بمؤشر أسعار المستهلكين إلى 2% دون سحق الاقتصاد، لأن 2% ليس الهدف الصحيح، وربما يحتاج إلى 3 أو 4%". ولكن هذا الأمر مكلف أخلاقيا جدا بالنسبة للفيدرالي لأنه سيفقده مصداقيته.

هذه التعقيدات ربما ليس لها سببا واحدا، ولكن يبقى تراخي الفيدرالي وحب البقاء لفترة أطول في "المنطقة المريحة" والتوقعات غير الواقعية من جانبه الركن الرئيس في هذه الأزمة.

وسواء نجح الفيدرالي في الوصول لمستويات التضخم المستهدفة عند 2%، أو طال به الأمد، يبقى التحوط من تداعيات التضخم على مستويات الدول والأفراد والمستثمرين أمر في غاية الأهمية للتقليل من آثار ارتفاع السلع، وتشديد السياسة النقدية لفترات أطول وزيادات أسعار الفائدة المرتقبة.

*خاص

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.