نفط وغاز

الاستثمارات الضخمة في الغاز وتوازن العرض والطلب

نعمت أبو الصوف
نعمت أبو الصوف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

من المرجح أن تظل إمدادات الغاز المسال العالمية متشددة حتى 2025، ما يحد من نمو الطلب في الأسواق الآسيوية الرئيسة. قد يظل الطلب الأوروبي على الغاز المسال قويا على المدى القصير، لكن من المتوقع أن ينخفض بحلول 2030 مع تفعيل سياسات إزالة الكربون وأمن الطاقة. لذلك، الموجة الجديدة من مشاريع تصدير الغاز المسال التي ستبدأ بالعمل في وقت لاحق من هذا العقد، قد تؤدي إلى الإخلال بتوازن العرض والطلب، ما يزيد من المخاطر المالية لمنتجي وتجار الغاز المسال.

حاليا، لا يزال الغاز يحظى بكثير من الاهتمام، مع استمرار الشركات والحكومات في تمويل مشاريع غاز جديدة على نطاق واسع، بينما يبدأ العالم في التحول تدريجيا إلى نظام طاقة جديد. عوامل عدة ساعدت على إيجاد هذا الاندفاع نحو تطوير مشاريع غاز جديدة.

أولا، قام عديد من الحكومات والهيئات الإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، بتضمين الغاز في تصنيفات الطاقة الخضراء الخاصة بها كمصدر مستدام للطاقة الذي من المتوقع أن يدعم نشاطها الاقتصادي، ويسهم في عملية تحول طاقة سلسة. بالفعل، تمكنت أوروبا حتى الآن من تجنب التباطؤ الحاد في النشاط الاقتصادي من خلال موازنة سوق الغاز عبر زيادة واردات الغاز المسال، وخفض الطلب المنزلي، وتحسين كفاءة القطاع الصناعي. ثانيا، لا يزال الطلب على الطاقة مرتفعا، وبما أن الغاز ينظر إليه على أنه الخيار الأنظف، فإن شركات الطاقة تتوقع عقودا أخرى من استخدام الغاز. ثالثا، الأزمة الأوكرانية والعقوبات اللاحقة على مصادر الطاقة الروسية جعلت عديدا من الحكومات تشعر بالحاجة إلى زيادة إنتاج الغاز المحلي أو من دول حليفة لتجنب ندرة الغاز وتعزيز أمن الطاقة.

في 2022، اكتسبت أسعار الغاز المسال المرتفعة واضطرابات العرض سمعة كمصدر وقود باهظ الثمن وغير موثوق به، ما قوض احتمالات نمو الطلب في الأسواق الرئيسة. عندما تدخل كميات كبيرة من الإمدادات الجديدة إلى السوق اعتبارا من منتصف 2025، قد يؤدي ذلك إلى حدوث تخمة في العرض، ما يزيد من المخاطر المالية والتسعيرية لمصدري وتجار الغاز المسال.

نظرا إلى أن شركات الطاقة والحكومات تستثمر بكثافة في مشاريع الغاز، يتساءل البعض عما إذا كان التمويل المستمر لصناعة الغاز يمكن تبريره. في الوقت الذي تحظى فيه مشاريع الطاقة المتجددة باهتمام وتمويل أكبر، يواصل عديد من شركات الطاقة الاستثمار في مشاريع الغاز الجديدة، حيث يتوقع أن يظل الطلب مرتفعا. لكن هل هذه هي الطريقة الأكثر حكمة لسد الفجوة نحو تحول طاقة؟

يجري حاليا بناء أو توسيع خمس محطات لتصدير الغاز المسال في الولايات المتحدة، تتركز على طول ساحل الخليج الأمريكي في لويزيانا وتكساس. تمت الموافقة على ثمانية مشاريع أخرى واقترحت ثمانية أخرى. يقع جميع هذه المشاريع على امتداد 700 ميل من الساحل، حيث بالفعل تعمل خمس محطات حاليا. إذا تم المضي قدما في جميع المشاريع، ستتضاعف طاقة تصدير الغاز في الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا إيجابيا في وقت تواجه فيه أوروبا ومناطق أخرى من العالم نقصا حادا في الغاز في أعقاب الأزمة الأوكرانية. ومع ذلك، من المهم التفكير فيما سيعنيه هذا على المدى الطويل، حيث إن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الجديدة للغاز تزيد أعمارها على 30 عاما. نعم، قد يكون المستهلكون ممتنين لانخفاض أسعار الغاز، وستضمن أوروبا والولايات المتحدة أمن طاقتها، لكن بأي تكلفة لأهدافها نحو تحول الطاقة؟

في العام المقبل، من المتوقع أن يتم استثمار نحو 42 مليار دولار في البنية التحتية الجديدة للغاز المسال، مقارنة بملياري دولار في 2020. يشعر المحللون بالقلق من أن المنتجين قد يبالغون في تقدير الطلب المستقبلي على الغاز المسال عندما يطلبون الإذن لبناء مشاريع جديدة ضخمة. قد يؤدي هذا إلى الاعتماد المستمر على الغاز، حتى مع زيادة قدرة الطاقة المتجددة العالمية وتناقص الحاجة إلى الغاز.

في العام الماضي، بعد بداية الأزمة الأوكرانية، قامت وكالة الطاقة الدولية بمراجعة توقعاتها للغاز الطبيعي. وذكرت الوكالة أن الغاز لم يعد ينظر إليه على أنه مصدر طاقة موثوق به وبأسعار معقولة، ما دفع الحكومات إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة لضمان أمن طاقتها. وأدى ذلك إلى قيام الوكالة بمراجعة آفاق نمو الغاز لديها، حيث تتوقع الوكالة الآن أن يزداد الطلب العالمي على الغاز بما مجموعه 140 مليار متر مكعب بين 2022 و2025، أي أقل من نصف الكمية المتوقعة سابقا وأقل من الزيادة البالغة 170 مليار متر مكعب التي شوهدت في 2021 وحده.

مع انطلاق المشاريع الجديدة، كان أحد مشاريع الغاز المسال في لويزيانا يقلق خبراء الطاقة الذين يعتقدون أن الطلب المرتفع على الغاز المسال مبالغ فيه إلى حد كبير، وأن أهمية الانبعاثات الناتجة قد أسيء تقديرها. في هذا الجانب، سلط معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي IEEFA الضوء على الإغفالات في تحليل اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة FERC للمشروع. في حالة الموافقة عليه، ستزيد المنشأة الإنتاج بمقدار 3.2 مليون طن سنويا. لكن المعهد يعتقد أن اللجنة الفيدرالية فشلت في تقييم مخاطر ارتفاع انبعاثات الميثان، وآثار التلوث المحتملة لنقل الغاز المسال عبر المحيطات.

ولا يقتصر الأمر على الإخفاق في تحليل مقترحات المشاريع الفردية بشكل صحيح، بل إن الأمر يتعلق بالكم الهائل من مشاريع الغاز الجديدة التي يتوقع تشغيلها خلال العقد المقبل، حيث يخطط عديد من شركات الطاقة لإطلاق مشاريع غاز جديدة بما في ذلك: قطر للطاقة، جازبروم، إكسون موبيل، بتروبراس، تركمينجاز، توتال إنرجي، شيفرون، وشل.

بالفعل، تضخ الحكومات وشركات الطاقة، الأموال في مشاريع غاز جديدة بناء على توقعاتها بندرة الغاز المسال في أعقاب الأزمة الأوكرانية، والحاجة إلى ضمان أمن الطاقة. لكن وفق التقديرات، من المتوقع أن ينخفض الطلب على الغاز الطبيعي مع زيادة قدرة الطاقة المتجددة في العالم، وإدخال مزيد من السياسات المناخية، ما يحفز على التحول بعيدا عن الغاز. قد يؤدي ذلك إلى تطوير بنية تحتية غير ضرورية للغاز.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط