اقتصاد السعودية

الاقتصاد السعودي في مواجهة التحديات العالمية

فواز العلمي
فواز العلمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

في مثل هذا الوقت من كل عام تتسابق المنظمات الدولية على إصدار تقاريرها الرسمية، التي تتألق بأهم الإحصائيات التاريخية والتوقعات المستقبلية حول الآفاق الاقتصادية المتوقعة. ولعل ما يميز هذه التقارير خلال العام الجاري هو إجماعها على أن الاقتصاد العالمي مقبل على التضخم والركود. وبالتالي فإن الآفاق الاقتصادية للعام 2023 قد تواجه العديد من التحديات، التي يتوجب معالجتها وتذليل عقباتها دون هوادة، خاصةً وأن مختلف هذه التقارير أجمعت على أرقام مثيرة للقلق فيما يتعلق بالانعكاسات المباشرة لتباطؤ نمو اقتصاد معظم دول العالم، ومدى انعكاسات هذا الوضع على مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

ومن الملفت للنظر أن هذا الإجماع يؤكد على ترابط الاقتصاد العالمي في قريتنا الكونية دون استثناء. فعلى سبيل المثال تشير جميع التقارير إلى أن معدل النمو العالمي سيتباطأ بشدة ليصل إلى 1.7% خلال العام الجاري. ويشمل هذا التباطؤ معظم اقتصادات العالم، حيث سيكون حاداً من خلال انخفاض توقعات النمو في 95% من الاقتصادات المتقدمة، ونحو 70% من اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية. ولا تتوقع هذه التقارير تحسناً قريباً في الأوضاع الاقتصادية للعديد من الدول ما لم تتوفر سياسات وطنية ناجعة وظروف دولية مواتية.

وجاء تقرير صندوق النقد الدولي الصادر مطلع العام الجاري تحت عنوان “أزمة فوق أزمة” ليؤكد أن الاقتصاد العالمي يواجه حالياً أكبر اختبار يتعرض له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك نتيجة ارتفاع التكاليف الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن جائحة كورونا، التي أثرت بصفة مباشرة على سبل العيش في مختلف مناطق العالم. يضاف إلى ذلك الانعكاسات المباشرة التي لحقت بالاقتصاد العالمي جراء الحرب الروسية الأوكرانية، ومنها الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والوقود، واتساع نطاق التضخم الذي ترتب عليه تداعيات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول، وكان لها أبلغ الأثر على دخل الأفراد ومستويات معيشتهم.

وحذر الصندوق أثناء اجتماعاته الربيعية هذا العام من أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو أسوأ فترة نمو له منذ تسعينيات القرن الماضي وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، نتيجة ارتفاع التضخم والأخطار المالية وارتفاع فوائد البنوك المركزية. وأضاف الصندوق أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيتوسع بمعدل 3% فقط على مدى السنوات الخمس المقبلة، موضحاً أن هذا المعدل أقل من 3.8% المحقق في العقدين الماضيين، والأدنى منذ أكثر من 30 عاماً.

أما البنك الدولي، فلقد أوضح في تقريره الأخير، الصادر قبل أسبوع تحت عنوان “الآفاق الاقتصادية العالمية”، أن النمو العالمي في العام الجاري سيشهد تباطؤاً حاداً، وأن مخاطر الضغوط المالية في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تزداد حدةً وسط ارتفاع أسعار الفائدة العالمية. وأفاد التقرير أنه من المتوقع أن يتباطأ النمو العالمي من 3.1% في عام 2022 إلى 2.1% في عام 2023. وفيما يتعلق باقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بخلاف الصين، توقع التقرير أن يتباطأ معدل النمو فيها إلى 2.9% هذا العام بعد أن سجلت نمواً بنسبة 4.1% في العام الماضي.

وبالنسبة للاقتصادات المتقدمة، توقع التقرير أن يتراجع معدل النمو من 2.6% في عام 2022 إلى 0.7% هذا العام، وأن يظل ضعيفاً في عام 2024. فبعد نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.1% في عام 2023، من المتوقع أن يتباطأ إلى 0.8% في عام 2024، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى التأثير المستمر للارتفاع الحاد في أسعار الفائدة خلال السنة ونصف السنة الماضية. وفي منطقة اليورو، من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 0.4% في عام 2023 من 3.5% في 2022، وذلك بسبب التأثير المتأخر لتشديد السياسة النقدية وزيادة أسعار الطاقة.

وأفاد التقرير أنه من المتوقع ارتفاع النمو في شرق آسيا والمحيط الهادئ إلى 5.5% في عام 2023 ثم ينخفض إلى 4.6% في عام 2024، بينما سيسجل النمو ارتفاعاً طفيفاً في آسيا الوسطى ليصل إلى 1.4% في 2023 قبل أن يرتفع إلى 2.7% في 2024. كما يتوقع التقرير أن يتباطأ معدل النمو في أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي إلى 1.5% في 2023 قبل أن يتعافى ليسجل 2% في 2024. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فمن المتوقع أن يتباطأ معدل النمو إلى 2.2% في 2023 قبل أن ينتعش ليحقق 3.3% في 2024. وفي أفريقيا من المتوقع أن يتراجع النمو إلى 3.2% في عام 2023 ثم يرتفع إلى 3.9% في عام 2024.

علاوة على ذلك، يحذر التقرير من ديون الدول المتراكمة، حيث أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى تفاقم تدهور أوضاع ماليتها العامة. ويبلغ متوسط الدين العام حالياً لهذه الدول نحو 70% من إجمالي ناتجها المحلي، وتلتهم مدفوعات فوائد الديون نسبة متزايدة من إيراداتها الحكومية المحدودة. ومن المرجح أن تؤدي الصدمات السلبية مثل الظواهر المناخية بالغة الشدة والصراعات الإقليمية إلى معاناة الدول منخفضة الدخل من العسر المالي، حيث تنفق هذه الدول في المتوسط 3% فقط من إجمالي الناتج المحلي على مواطنيها الأكثر احتياجاً، وهو ما يقل كثيراً عن المتوسط الذي يبلغ 26% للاقتصادات النامية.

وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية الهشة، سيواصل الاقتصاد العالمي مواجهة التحديات، مثل ارتفاع التضخم إلى مستويات أعلى من المتوقع، وما يتبعه من زيادة في أسعار الفائدة بصورة مفاجئة، أو تنامي التوترات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، أو تفاقم الحروب التجارية بين الصين وأميركا من جهة، وبين الاتحاد الأوروبي وأميركا من جهة أخرى.

هذه الحقائق تؤكد عمق المخاوف من عدم قدرة معظم دول العالم على حماية استقرارها المالي نتيجة استمرار البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة لقمع التضخم، الذي أثبت أنه مستمر بشدة في منطقة اليورو وأميركا، وذلك بدلاً من كبح جماح العجز بالميزانيات لخفض مستويات التضخم إلى المستويات المستهدفة المقدرة بنسبة 2% سنوياً.

ونتيجة لهذه الحقائق، يقف المستثمرون أمام تحديات أخرى من ناحية الانتقاء الأمثل للأسواق والقطاعات التي يرغبون الاستثمار فيها، لا سيما أن تأثير التشديد النقدي في هذه الأسواق، وتراجع النمو في الدول الشريكة لها في التجارة، تتسم بأجواء عدم اليقين نتيجة مخاطر سيناريو الجانب السلبي لاقتصادات هذه الدول. وأفضل مثل على ذلك، صدور قانون مكافحة التضخم الأميركي الذي أقره الكونغرس الأميركي مطلع العام الجاري ليتم تطبيقه باستثمار 420 مليار دولار في شكل إعانات وتخفيضات ضريبية على السيارات الكهربائية والبطاريات ومشاريع الطاقة المتجددة المصنوعة في أميركا. ولقد أدى هذا القانون إلى انتقادات كثيرة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، لكونه يؤدي إلى تفضيل الشركات الأميركية ومنتجاتها المصنوعة في أميركا على المنتجات الأوروبية المماثلة. وهددت أوروبا بتقديم شكوى إلى جهاز حسم المنازعات في منظمة التجارة العالمية لكون هذا القانون الأميركي يتعارض صراحةً مع اتفاقيات المنظمة التي تنادي بالمعاملة الوطنية وعدم التمييز بين المنتجات.

أما الدول العربية، التي تصنّف من بين المناطق التي تواجه بلدانها مستوى مرتفعاً من التحديات، فمن المتوقع أن يتباطأ معدل النمو ليبلغ 3.5% عام 2023 و2.7% في عام 2024. يضاف إلى ذلك تراجع نسبة النمو الاقتصادي وارتفاع إجمالي الاحتياجات التمويلية لدول المنطقة العربية غير النفطية، لتقع 14 دولة من أصل 22 دولة عربية في المستوى المنخفض.

أما المملكة، ونتيجة لترابط سياساتها التجارية والاقتصادية مع دول العالم، فلقد أدى التضخم المستورد إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق السعودية، حيث كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء عن تسجيل الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بالمملكة ارتفاعاً إلى 108.75 نقطة خلال يناير 2023 وفقاً لسنة الأساس 2018، مقارنة بحدود 105.22 نقطة خلال نفس الفترة من عام 2022. وجاء الارتفاع نتيجة زيادة أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 3.9% وأسعار النقل بنسبة 3.6%، وأسعار اللحوم والدواجن بنسبة 5.1%.

ولمواجهة هذا التضخم اتخذت المملكة، خلافاً للعديد من الدول، العديد من الإجراءات الفورية للتخفيف من غلاء المعيشة، فبادرت بوضع سقف على أسعار بعض المشتقات البترولية، وتعزيز منظومة الإعانات الاجتماعية من خلال الدعم الإضافي لمستفيدي الضمان الاجتماعي، وبرنامج حساب المواطن، وبرنامج دعم صغار مربي الماشية بالإضافة إلى تخصيص دعم لزيادة المخزونات الاستراتيجية للسلع الأساسية والتأكد من توفرها، لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعارها العالمية. وأدت هذه الإجراءات إلى الحد من ارتفاع الأسعار وتخفيف وطأتها على أصحاب الدخل المحدود. وبالتالي جاءت تقارير المنظمات الدولية لتؤكد على نجاح المملكة خلال العام الماضي في تحقيق المرتبة الأولى كأسرع دول العالم نمواً في الاقتصاد الوطني بنسبة 8.7%، والمرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في انخفاض وتيرة التضخم إلى 2.7%. وتستمر اليوم نجاحات المملكة بعد المضي قدماً في تنفيذ سياستها المالية التوسعية وزيادة الإنفاق الحكومي على مشاريع التنمية، ودعم أصحاب الدخل المحدود، للتخفيف من وطأة تحديات الاقتصاد العالمي.

*نقلا عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط