اقتصاد بريطانيا

بريطانيا بين هم الانتخابات وأنياب التضخم

محمد كركوتي
محمد كركوتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

"مشكلات بريطانيا الاقتصادية لن تختفي في 2023"

ريشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا

تحاول الحكومة البريطانية بشتى الوسائل الممكنة، أن تحد من اتساع رقعة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وهي بحاجة إلى أي تقدم في هذه الساحة، في الوقت الذي تتراجع فيه شعبية حزب المحافظين الحاكم، الذي يواجه في غضون أسبوعين انتخابات فرعية "وليست عامة"، ستعطي المؤشرات الحقيقية على وضعيته الانتخابية عموما. ولم تستطع بريطانيا أن تحقق أي قفزات نوعية على صعيد "حربها" ضد التضخم، وإن تمكنت من تحقيق نمو بسيط عابر، لا يمكن التأسيس عليه لتعافي اقتصادي شامل. وعلى الرغم من أن "مرض" التضخم ليس حكرا على المملكة المتحدة، إلا أن التباين في معالجته بين دولة وأخرى، يعزز استنتاجات مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد، بأن اقتصاد بريطانيا هو الأسوأ أداء بين اقتصادات "مجموعة السبع"، وقبل الأخير تحت راية "مجموعة العشرين"، لم يأت بعده سوى الاقتصاد الروسي.

بريطانيا "كغيرها من معظم الدول" انتهجت سياسة رفع الفائدة لمواجهة ارتفاع تكاليف المستهلك. لكن زيادة تكلفة الاقتراض أتت بعد أزمة خلفتها حكومة ليز تراس "حكمت 44 يوما فقط"، من خلال ميزانيتها التي وصفت بـ"الانتحارية"، وكبلت الاقتصاد بديون هائلة، كما خفضت من قيمة الجنيه الاسترليني، وزادت الأعباء على كاهل ملايين البريطانيين الحاصلين على القروض العقارية. كانت هذه الميزانية كافية لطرد تراس من داونينج ستريت، في فترة زمنية قصيرة لم يسبقها إليها أي رئيس وزراء في تاريخ البلاد. ومع الرفع التدريجي للفائدة الذي تتبعه حكومة ريشي سوناك، زادت الأعباء أكثر، وتعاظم عدد الأشخاص غير القادرين على تسديد أقساطهم الشهرية، ما يهددهم تلقائيا بفقدان عقاراتهم لمصلحة البنوك الدائنة. هذه الأزمة حدثت مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما اضطرت حكومة جون ميجور آنذاك لرفع الفائدة إلى 71 في المائة، لوقف انهيار الجنيه الاسترليني، إثر استهدافه من قبل مستثمرين عالميين.

في مراجعته الأخيرة لمستوى الفائدة الأساسية، أقدم بنك إنجلترا المركزي على رفعها نصف نقطة مئوية إلى 5 في المائة، وهذا أعلى مستوى لها منذ 15 عاما. ولم يكن أمام المشرعين سوى هذه الخطوة لمواجهة نسبة تضخم وصلت إلى 8.7 في المائة، وهي الأعلى مقارنة بمستوياتها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. والمشكلة الكبرى، أن هؤلاء المشرعين تركوا الباب مفتوحا لرفع جديد لتكلفة الاقتراض، ما رفع بالضرورة من معاناة البريطانيين الذين يواجهون أسوأ وضعية معيشية، حيث أكدت الجمعيات الخيرية المحلية عبر سلسلة من الاستطلاعات أن هناك جائعا بين كل سبعة بريطانيين بسبب ارتفاع تكلفة الغذاء. وإذا ما جمعت تكلفة الرهون العقارية، فإن هذا العدد مرشح للارتفاع في المستقبل القريب.

لن تستطيع الحكومة خفض التضخم إلى مستويات مقبولة قبل نهاية العام الحالي، فضلا عن عجزها في خفضه إلى الحد الأقصى المعتمد وهو 2 في المائة. من هنا، فإن الضغوط عليها تزداد بشدة، وسط تنامي قوة حزب العمال المعارض في الساحة الانتخابية. وتفاقم الوضع أكثر مع سلسلة من الفضائح طالت عددا من النواب المحافظين، إضافة طبعا إلى طرد رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون من الحياة السياسية تماما، وتمرد عدد من النواب المحسوبين على هذا الأخير. وعلى الرغم من محاولات وزير الخزانة جيرمي هانت الإنقاذية، إلا أن الحقائق على الأرض تعانده حقا، بما في ذلك عجزه عن خفض التضخم، والحفاظ على مستوى الفائدة عند حدوده المرتفعة الراهنة. يضاف إلى ذلك، الهبوط المستمر لمؤشر مديري المشتريات، الذي يغطي الأعمال في قطاعي الخدمات والصناعات التحويلية، الذي وصل إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر.

علامات التعثر واضحة على الاقتصاد البريطاني، والأسباب صارت معروفة حتى لغير المختصين، وليس هناك مخرج واضح للوضع الراهن، خصوصا مع تزايد الضغوط من كل الجهات، بما في ذلك الآثار السلبية التي تركها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". فهذا الخروج غذى التضخم بصورة كبيرة، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد من البر الأوروبي، وارتفاع تكاليف الواردات. يضاف إلى ذلك، أن المملكة المتحدة لم تعقد حتى الآن اتفاقات تجارية محورية، تعوضها عن شركائها الأوروبيين السابقين، بما في ذلك الولايات المتحدة بإدارتها الراهنة، التي لا تزال ترفض عقد شراكة كاملة مع لندن. أمام هذا الوضع، لم يتمكن وزير الخزانة من إلزام البنوك "مثلا" بتأخير دفعات الرهون العقارية، وإن استطاع أن يحقق "إنجازا" بوعود من مديري المصارف بدراسة أوضاع المقترضين.

كل هذا يأتي مع إمكانية رفع جديد للفائدة في المراجعة المقبلة، وبالتالي مزيد من تعثر البريطانيين في السداد، فضلا عن الضغوط المعيشية الأخرى، بينما تلوح الانتخابات العامة في الأفق، ما ينذر بفقدان المحافظين حتى دوائر انتخابية تعد معاقل تاريخية لهم من حيث الاستحواذ عليها. والتاريخ الحديث يظهر بوضوح كيف أن هذا الحزب تكبد خسائر تاريخية فادحة في انتخابات 1997 عندما كان جون ميجور رئيسا للوزراء، لمصلحة حزب العمال بقيادة توني بلير آنذاك.

* نقلا عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط