اقتصاد عالمي

العالم الجديد .. الأزمة قادمة لا محالة

ليون برخو
ليون برخو
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

قد تكون مفردة "الأزمة" وما لها من مرادفات من أكثر الكلمات رواجا في خطاب اليوم. "عالمنا يواجه أزمات حادة"، عبارة تتردد على ألسنة ليس الساسة بل حتى الناس العاديين. ولأن عالمنا رغم كبره وضخامة حجمه مساحة وعدد سكان، متشابك إلى حد كبير. ما يحدث في بقعة من أزمة، لم تعد تبعاتها محصورة في المحيط الذي كان مسببا لها. وأنا أعيش في السويد، هذا البلد المحايد والمحافظ اقتصاديا - حتى وقت قريب - بدأ يركز على أزمات وليس أزمة واحدة. هناك خشية كبيرة من اشتداد الأزمات، ما حدا بالحكومة والناس إلى الهرولة للانضمام إلى الحلف الأطلسي، متخلين عن صورة واقع كان مثار إعجاب الدنيا في حياده واستقلالية قراره.

وعندما تأخرت عملية الانضمام بسبب عراقيل من قبل تركيا وبلغاريا، وقعت السويد وبسرعة اتفاقية لما كان في الإمكان حتى تصورها في الحلم في عز سياسة الحياد والتوازن، التي صبغت البلد في السابق. في نهاية العام الماضي وافقت السويد على منح الجيش الأميركي حق الوجود والدخول والوصول غير المحدود ودون عائق لـ17 قاعدة عسكرية. من كان يتصور ذلك؟ أتجنب التوقعات، لأن عالم اليوم يعيش في خضم أزمات متشابكة، من العسر في مكان التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور دون أخذ حزمة من الأزمات ودراسة تبعاتها ومحيطها وبيئتها، هذا إذا لم تفاجئنا أزمة كبيرة تقلب كل ما توصلنا إليه رأسا على عقب.

لا تبدو الأمور أن كل شيء على ما يرام ليس في السويد وحسب بل في أغلب الدول الغربية ومنها الولايات المتحدة. الحديث عن الأزمة أو الأزمات لا ينقطع، ليس لأن مجموعة بحثية توصلت إلى ذلك، بل لأن الناس وعلى كل المستويات تقريبا صارت تحس أن الأرض التي تقف عليها لم تعد بالصلابة التي تسمح لها بالسير دون عوائق.

وأخذ بعض المحللين يبحث عن مرادفات أخرى لوصف الواقع المعيش، لأن مفردة "الأزمة" لم يعد معناها يفي بالغرض. وها نحن نرى كيف أن عبارات تبعث القشعريرة في النفوس آخذة في التداول من خلال إلحاق مفردة "وجودي" أو "وجودية" existential تقريبا بأي أزمة تواجهنا اليوم. الحروب التي تخاض حاليا هي "حروب وجودية" إن كانت في أوروبا أو الشرق الأوسط أو غيره.

وهذا شأن أغلب الأزمات التي حاليا تعصف بالغرب، حيث يراها الغربيون "أزمات وجودية" إن كانت اجتماعية، أو صحية، أو تخص العنف، أو الكراهية، أو العنصرية، أو السكن، أو الزواج والعائلة، أو الطاقة أو الاقتصاد أو انتشار المخدرات وغيره. واليوم صارت الأزمة وطرق مواجهة الأزمات مادة علمية أكاديمية تقتحم الدراسات في العلوم الاجتماعية، لها نظرياتها ومجلات ودوريات مختصة لنشر الأبحات التي تتناولها. في السويد، تعد مادة معالجة الأزمات وكيفية مواجهتها أساسية في أقسام وكليات علوم التواصل.

واستنادا إلى الأبحاث والدراسات التي يقدمها أساتذة الأزمات في الجامعات أخذ التنبؤ المستقبلي منحى تشاؤميا وأحيانا وجوديا. وعندما لم ينبر الأساتذة الأكاديميون بنفي أو دحض التنبوآت هذه، أضحينا أمام واقع يمر بأزمة شديدة. وبدأنا نصدق النبؤات هذه، لأننا أولا نستشعر الأزمات التي يواجهها العالم ونتحسس ونلمس تأثيرها السلبي وأحيانا المدمر في حياتنا.

أيا كان موقفنا، أظن لم يعد في إمكاننا إنكار أننا أمام تغييرات اجتماعية واقتصادية كارثية، تعد الطريق لانهيار اجتماعي واقتصادي ربما لم تشهد البشرية مثله، لحدته وقسوته. هنا أنا لا أتوقع أو أتنبأ أو أنجم - التنجيم اليوم في كل حدب وصوب ويستأثر بإهتمام الناس.

إنني أقرأ، وما قدمته ليس إلا قراءة شخصية. هناك قطاع عريض من الناس وأصحاب الشأن يرون أو قد يرغبون أو ربما يعملون على أن تذهب الأزمة إلى أقصى مداها. مقدم الأزمة ليس قريبا وحتميا، بالنسبة إليهم، بل ضروريا لعالم جديد، لأن الذي نعيشه لم يعد قابلا للعيش.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.