نفط

وكالة الطاقة للأخطاء المستدامة والمعنويات الصعودية

فيصل الفايق
فيصل الفايق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية جاء بتعديل أعلى لتوقعات نمو الطلب على النفط، وتوقعات أقل للإمدادات، مما يُعتبر تقرير يصعد بالمعنويات الصعودية bullish sentiments مقارنة بالتقارير السابقة.

عدلت وكالة الطاقة الدولية تقديراتها لنمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.3 مليون برميل يوميا من 1.2 مليون برميل يوميا لعام 2024 في تقريرها الشهري الأخير، حيث رفعت توقعاتها لنمو الطلب خلال عام 2024 بمقدار 110 الف برميل يوميا عن تقديرات الشهر الماضي، بذلك تكون الوكالة قد قلبت تقديراتها السابقة بوجود فائض في السوق إلى عجز في الإمدادات، على افتراض قيام منتجي “أوبك بلس” بتمديد اتفاق الخفض الطوعي الإضافي إلى النصف الثاني من عام 2024.

هذا هو التعديل الرابع للوكالة منذ شهر نوفمبر عام 2023، عندما بدأت هجمات الحوثيين في تعطيل مرور ناقلات النفط في البحر الأحمر، بينما تظل توقعات نمو الطلب على النفط من “منظمة أوبك” ثابتة عند 2.2 مليون برميل يوميا. ومن المفارقات أن سعر خام برنت يلامس 85 دولار لأول مرة منذ شهر نوفمبر 2023.

لا يمكن اهمال موضوع الانتخابات الامريكية القادمة والتي ستكون مفصلية بالرغم من عدم ذكر هذه المسألة في العديد من التحليلات والتقارير والتوقعات، بينما يصل الطلب العالمي على النفط الى مستويات قياسية نحو 104.4 مليون برميل يوميا، وايضا بالرغم من ثبات سعر الفائدة وظهور اشارات في الافق بتحفيضات فيها وان كانت متواضعة جدا، في المقابل نجد استمرار الضغط الهبوطي على أسعار النفط.

الاضطرابات الجيوسياسية أحد الأسباب التي جعلت بنك جيه بي مورجان يرى ارتفاع بمقدار 10 دولار في أسعار النفط، ويرى تشديد في الإمدادات مع ارتفاع الطلب في فصل الربيع بالرغم من موسمية صيانة مصافي التكرير في فصل الربيع.

استمرار تناقضات ومغالطات الوكالة:

– الوكالة تقر بعودة نمو الطلب على النفط إلى مستوياته المعتادة بعد التقلبات الشديدة التي شهدتها سنوات الجائحة، فكيف تشير الوكالة أيضا في ذات السياق إلى أن التباطؤ الاقتصادي العالمي يُضاف إلى معوقات استخدام النفط، كما هو الحال مع تحسين كفاءة الطاقة وتزايد استخدام السيارات الكهربائية (كما تدّعي الوكالة)، بينما في نفس الوقت تشير إلى أن نمو الطلب على النفط يعود إلى مستوياته المعتادة بعد التقلبات الشديدة التي شهدتها سنوات الجائحة؟ وفي نفس الوقت تشير إلى زيادة الطلب العالمي على البنزين؟

– ذكرت الوكالة بأن مخزونات النفط البرية onshore عند مستويات متدنية، أما مخزونات النفط العائمة (على متن السفن) offshore فإنها تقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق بسبب اضطرابات الشحن في البحر الأحمر الناجمة عن إعادة توجيه الشحن بعيدا عن البحر الأحمر، مما أدى إلى ارتفاع مخزونات النفط العائمة بمقدار 115 مليون برميل، حيث أدت الهجمات المتكررة على الناقلات في البحر الأحمر إلى تحويل مسار المزيد من الشحنات الى رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهذا أدى إلى زيادة استخدام وقود السفن، مما أدى إلى وصول عمليات تزويد السفن بالوقود إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. بذلك تتناقض الوكالة مع نفسها عند الإشارة إلى أن اضطراب قطاع الشحن يتسبب في زيادة الطلب على وقود السفن، والذي هو بالأساس لن يتأثر بمعوقات كهربة النقل البحري بتاتا.

– توقعت الوكالة في تقريرها الشهري الأخير أن يرتفع تشغيل مصافي تكرير النفط من أدنى مستوياتها هذا العام في شهر فبراير المنصرم عند 81.4 مليون برميل يوميا إلى ذروة الصيف البالغة 85.6 مليون برميل يوميا في شهر أغسطس، بينما توقعت لعام 2024 بأكمله أن تزيد الطاقة التكريربة للمصافي بمقدار 1.2 مليون برميل في اليوم لتصل في المتوسط ​​إلى 83.5 مليون برميل في اليوم، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات البترولية المكررة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

بذلك فإن الوكالة تُقر بزيادة الطلب على المنتجات البترولية المكررة، بينما أثناء ذروة الجائحة فاقمت الوكالة من تأثير الجائحة على انشطة التكرير بعد الخسائر الغير مسبوقة التي تكبدتها مصافي التكرير، فدعت الوكالة أثناء الجائحة إلى وقف تمويل مشاريع بناء مصافي جديدة بعد أن وضعت الجائحة ضغط هبوطي كبير على صناعة تكرير النفط العالمية وسط مخاوف استمرار انخفاض كبير في الطلب على المنتجات المكررة، مما أدى إلى أكبر انخفاض للطاقة التكريريه العالمية منذ 30 عام في عامي 2020 و 2021.

في تقارير سابقة، أقرت الوكالة أن متوسط ​​إنتاج مصافي التكرير عالميا كان عند 76 مليون برميل يوميا عام 2020 و وعند 79 مليون برميل يوميا عام 2021، وهي مستويات أقل من مستويات ماقبل الجائحة، بينما ذكرت في تقريرها الشهري الأخير أنه من أجل زيادة متوسط ​​معدلات تشغيل مصافي التكرير العالمية للعودة إلى مستويات مستدامة أعلى من %80، هناك حاجة إلى اضافة 6 مليون برميل في اليوم من طاقة التكرير العالمية، وهذا يعني طاقة تكريرية عالمية تفوق 90 مليون برميل يوميا، وبذلك فقد تكون الوكالة المتسببة في فقدان أكثر من 10 مليون برميل يوميا من الطاقة التكريرية العالمية بعد اغلاق العديد من المصافي منذ الجائحة، فكيف تدعوا في تقريرها الأخير إلى الحاجة إلى اضافة 6 مليون برميل يوميا طاقة تكريرية.

محاولات الوكالة في الضغط على استراتيجية منتجي “أوبك بلس”

منظمة أوبك لاتستهدف سقف معين للأسعار بل تعمل جاهدة على توازن العرض والطلب، حيث أن قُوى السوق هي التي تقود مسار الاسعار، والتي تتأثر بنطاق واسع من قبل الدول المستهلكة الرئيسية، في الجهة المقابلة لطالما وضعت وكالة الطاقة الدولية ضغوط هبوطية كبيرة على الأسعار. ومع كل هذه التناقضات والترويج إلى وصول ذروة الطلب على النفط في هذا العقد عند 102 مليون برميل يوميا كما توقعت في شهر أكتوبر 2023, وسط تزايد شعبية السيارات الكهربائية وتباطؤ الاقتصاد الصيني. فكيف تتوقع “وكالة الطاقة الدولية” عجز طفيف في الإمدادات مع استمرار تخفيضات “أوبك بلس” في النصف الثاني من عام 2024؟

فكيف خلال خمس أشهر تغبر الوكالة توقعاتها للطلب على النفط من 102 مليون برميل يوميا إلى 103.3 مليون برميل يوميا؟

لا ننسى أن مغالطات الوكالة ساهمت في التأثير على صانعي القرار في وقف تمويل استثمارات الوقود الأحفوري وإغلاق نشاطات مصافي التكرير العالمية، ومن المستغرب أن بعد كل تلك المغالطات، من المفارقات أن تعود وتدعوا الوكالة كبار منتجي النفط والغاز إلى زيادة إنتاجهم لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.

هل هناك علاقة بين تعديل توقعات الوكالة وارتفاع الأسعار لأعلى مستوياتها في 5 أشهر؟

سعر خام برنت يصعد الى 85 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ شهر نوفمبر 2023 بفعل تحسن المعنويات تدريجيا، ومن المستغرب أن أسعار النفط ارتفعت بعد تعديل نمو الطلب العالمي على النفط الأخير من الوكالة إلى أعلى مستوياتها منذ مطلع شهر نوفمبر 2023.

كيف تعود المعنويات الصعودية bullish sentiment إلى السوق بعد تعديل وكالة الطاقة الدولية 110 الف برميل يوميا فقط لنمو الطلب على النفط، بالرغم من أن حالة عدم اليقين الجيوسياسية مستمرة لعدة أشهر ولكنها لم تؤثر على المعنويات الصعودية، طيلة الأشهر الخمس الأخيرة تحركات الأسعار لم تعكس:

– لم تعكس المخاطر الجيوسياسية، ولا تزال تتأثر بحالة عدم اليقين بشأن السياسات النقدية.

– لم تعكس الزيادة في توقعات نمو الطلب على النفط.

– لم تعكس ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل حاد في الأسبوعين الماضيين بأكثر من %20 منذ بداية العام وسط اضطرابات البحر الأحمر، وأيضا وسط تراجع مخزونات البنزين الأمريكية إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، وبالتالي ستعيد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التركيز على أسعار البنزين، هذا الصيف. ولا ننسى أن توقعات الوكالة للطلب على العالمي على البنزين كانت أيضا خاطئة.

– لم تعكس ارتفاع تكاليف الشحن وارتفاع تكاليف وقود السفن.

– لم تنعكس اغلاق عمليات المراجحة arbitrage على الاسعار، وهي الاستفادة من حركة التجارة البحرية الدولية بين القارات والاستفادة من فرق الأسعار وفرق تكاليف الشحن. ارتفاع تكاليف شحن وتأمين الناقلات قد يُغلق المراجحة arbitrage للنفط الأمريكي إلى آسيا بعد أن قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط العملاقة من الولايات المتحدة إلى آسيا.

– لم تعكس اضطرابات الإمدادات من الولايات المتحدة الأمريكية مطلع العام بسبب الطقس المتجمد الذي أدى ذلك إلى انخفاض إنتاج الخام الأمريكي بنحو 700 الف برميل يوميا، انخفض الإنتاج من 13.3 مليون برميل باليوم الى 12.6 مليون برميل باليوم.

– لم تعكس المستويات المتدنية لمخزونات الديزل وزيوت التدفئة لأقل من المتوسط ​​الموسمي للسنوات العشر السابقة في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وأوروبا وسنغافورة، مخزونات الديزل أقل من المعدل الطبيعي ويمكن أن تبدأ الأسعار في الارتفاع بسرعة إذا تحسنت الاقتصادات الصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا في عام 2024.

*نقلا عن صحيفة "مال" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.