استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
رغم مرور عشرات السنوات على تأسيس علم إدارة الجودة الشاملة -TQM- على يد إدوارد ديمنج الذي ولد في عام 1900، وتوفي في 1993، إلا أن منظمات عملاقة خاطرت بمستقبلها حينما لم تلتزم بهذه المبادئ، إذ ثمة علاقة قوية بين تطبيق هذه المبادئ ونجاح المنظمات في استمرارها وتحقيق أهدافها، والعكس. شركة "بوينغ" تواجه أزمات مشابهة كبدتها خسائر فادحة ودفعت لتنحى الرئيس التنفيذي ديف كالهون عن منصبه. وثمة ارتباط بين الأمرين.
تعتبر "بوينغ" عملاقا ضخما بصفتها شركة طيران عالمية، تطور وتصنع وتوفر خدمات الطائرات التجارية ومنتجات الدفاع وأنظمة الفضاء للعملاء في أكثر من 150 دولة. بلغت إيراداتها 22.02 مليار دولار في الربع الأخير من 2023، وهي رغم كل هذا تواجه أزمة كبيرة أرجعها تيم رئيس طيران الإمارات إلى مشاكل في مراقبة الجودة تعاني منها الشركة منذ فترة طويلة.
مفهوم إدارة الجودة الشاملة
تطبيق معايير الجودة ليس ترفا أو أمرا هامشيا، قد تنهار المنظمات بسبب غض الطرف ولو جزئيا عن تطبيق هذه المبادئ. تعتبر إدارة الجودة الشاملة (TQM) أسلوبا إداريا يهدف إلى تحسين جميع جوانب عمل المؤسسة. وهي التطابق مع المتطلبات، على رأسها التطابق مع متطلبات العميل، التطابق مع متطلبات الصناعة، كما أنها ثقة المستخدم، درجة التميز، الالتزام بالمتطلبات التي يحددها العميل، كما يقول الدكتور محمد عنتر أستاذ علم الجودة المصري.
وتعتبر أزمة شركة بوينغ نتيجة لعدة عوامل منها مشاكل في تصميم وتصنيع طائراتها من طراز 737 MAX وحوادث تحطم عدة طائرات من هذا الطراز. تواجه الشركات المصنعة للطائرات تحديات فريدة في مجال الجودة والسلامة، ومفاهيم الجودة الشاملة تساعد في تحقيق أعلى مستويات الجودة والسلامة.
مبادئ إدارة الجودة الشاملة
تشمل مبادئ الجودة الشاملة التوجيه القوي من القيادة، إذ يجب أن تتبنى القيادة رؤية واضحة للجودة وتكون ملتزمة بتحقيقها، وأن يكون رضا العملاء هو الهدف الأسمى للمؤسسة، ويجب أن تتوجه جميع الجهود نحو تحقيق رضاهم، مع الاهتمام بالموظفين عبر توفير بيئة عمل مناسبة تساعد على تحقيق الجودة، بما في ذلك تطوير مهارات الموظفين وتعزيز مشاركتهم في تحسين العمليات.
أيضا العلاقة مع الموردين مهمة لضمان جودة المواد والخدمات التي تحصل عليها الشركات، إضافة إلى التحسين المستمر لعملياتها وأدائها. وأن تعتمد القرارات على الحقائق والبيانات الدقيقة وليس على الاعتقادات أو التخمينات.
أزمات شركة بوينغ المتلاحقة
أخفقت "بوينغ" في الالتزام بمبادئ ومعايير الجودة الشاملة، فمرت بأزمات ضخمة بسبب طائرة "بوينغ 737 ماكس" والتي بدأت منذ العام 2018 مع تحطم طائرة لشركة "Lion Air" في إندونيسيا ومقتل جميع الركاب البالغ عددهم 189 شخصا. وفي 2019 تحطمت طائرة للخطوط الجوية الإثيوبية وقتل جميع الركاب وعددهم 157 راكبا، وأيضا في العام ذاته، أصبحت هيئة تنظيم الطيران في الصين أول هيئة في العالم توقف تشغيل طائرات "ماكس". تبعها في عام 2020 تعليق إنتاج طائرة 737 لمدة 4 أشهر، وكان في حينه أكبر توقفا في الإنتاج منذ 20 عاما.
في أبريل 2021 تم وقف تسليم طائرات 737 ماكس بسبب مشاكل كهربائية في أسطولها. وفي عام 2022 رفضت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية بعض المستندات المقدمة لمراجعة شهادات طائرة 737 ماكس 7. وجرى وقف تسليم بعض طائرات ماكس 737 للتعامل مع مشكلة جديدة تتعلق بالجودة في 2023.
مع بداية 2024، أوقفت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية بعض طائرات 737 ماكس 9 لفحص السلامة بعد انفجار جزء من جسم الطائرة.
خسائر هائلة
كل هذه الأزمات كان لا بد من أن يكون لها ثمن. انخفض سهم "بوينغ" إلى مستوى 191.41 دولارا، في 25 مارس الجاري، مقابل 251.7 دولارا في 2 يناير الماضي. أيضا توقعت "بوينغ" استنزافا نقديا هائلا في الربع الأول من 2024، على خلفية التدقيق من السلطات التنظيمية، وتباطؤ إنتاج طائرة 737 ماكس، كما تبحث الشركة، وفقا مصادر، بيع وحدتين على الأقل من أعمالها المرتبطة بالصناعات الدفاعية، في الوقت الذي تواجه فيه أزمة كبيرة تتعلق بالسلامة.
تفتح أزمات "بوينغ" المتتالية الباب أمام مدى التزام الشركات العملاقة بمعايير الجودة الشاملة، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على مسارها وأعمالها. يجب أن تلتزم المنظمات معايير الجودة ومراحلها وأن تطبقها بشكل صارم، ومنها "quality inspection" أو فحص الجودة، "quality control"، أو مراقبة الجودة، "quality assurance" أو ضمان الجودة.
التهاون في تطبيق معايير الجودة قد يؤثر على أعمال المنظمات مهما كانت ضخمة، كما هو الحال في عملاق الطيران "بوينع".