طاقة

الفحم.. قصة طويلة

د. عصام بن عبدالعزيز العمار
د. عصام بن عبدالعزيز العمار
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

يُعَدُّ الفحم مصدر طاقة رخيص ومتوافر في معظم أنحاء العالم، بل قابل للاعتماد عليه في الصناعة كما حدث مع الثورة الصناعية الأولى في ثمانينيات القرن الثامن عشر. ولقد تربَّع الفحم على عرش مصادر الطاقة في العالم أثناء القرن الماضي، حيث كان يستحوذ على أكثر من النصف في توليد الطاقة الكهربائية، قبل أن يزاحمه البترول والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة والنووية. ويتم استهلاك أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي الكهرباء المولدة بالفحم في العالم في ثلاثة بلدان، هي: الصين أكبر مستهلك للفحم، نصف الطلب العالمي تقريبا، تليها الهند والولايات المتحدة. وتمثل أستراليا نحو ثلث صادرات الفحم العالمية، تليها إندونيسيا وروسيا، في حين أن أكبر الدول المستوردة هي اليابان والهند. لقد انحسرت التوترات الجيوسياسية التي نجمت في أسواق الطاقة في العام الماضي منذ التقلبات الشديدة في الاقتصاد العالمي، ويجري الآن مناقشة تحوُّلات الطاقة في ظل ظروف اقتصادية وجيوسياسية أكثر تحديًا. ولا تزال هناك شكوك حول مرونة سلاسل إمدادات الطاقة والمخاطر التي تهدد الأمن والقدرة على تحمل تكاليف التحولات ومدى سرعة عملية التغيير لتجنب تأثيرات التغير المناخي.

ونرى أن الفحم لا يزال يتمسك بمقعد له في مزيج الطاقة العالمي. ويمتلك العالم حاليا احتياطيات مؤكدة من الفحم تعادل 133 مرة استهلاكه السنوي، وهذا يعني أن لدينا نحو 133 عامًا من الفحم المتبقي، بمستويات الاستهلاك الحالية، فضلا عن الاحتياطيات غير المؤكدة. ومع أنَّ الفحم يعد المصدر الأكبر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إلا أن استخدامه ازداد في توليد الكهرباء 91.2 % منذ 1997، وهو العام الذي تم فيه التوقيع على اتفاقية كيوتو للمناخ باليابان.

ورغم أن الطلب العالمي على الفحم ظل مرتفعًا بشكل ثابت على مدى العقد الماضي، فمن المتوقع أن ينخفض خلال السنوات القليلة المقبلة لأسباب بيئية وضغوط سياسية، ويعكس هذا الاتجاه الانخفاضات في حجم استخدامات الفحم في صناعات الكهرباء والحديد والصلب. ولكن من المتوقع أن يظل الفحم في خاصرة الطاقة العالمية إلى 2030، بل نعتقد أبعد من ذلك، لأن الفحم سيظل ملاذًا ليس للدول النامية فحسب بل حتى المتطورة في ظل الأزمات مثل ما نشاهده الآن في بعض دول الاتحاد الأوروبي مع الأزمة الروسية الأوكرانية. أضف إلى ذلك، سهولة توليد الكهرباء بالفحم أو استخدامه في وسائل النقل وطول العمر الافتراضي لمحطات الفحم حيث يبلغ متوسط عمر وحدة توليد الطاقة العاملة بالفحم ما بين 45 إلى 55 عامًا في الولايات المتحدة. وتراوح تكلفة بناء محطة طاقة (فوق الحرجة) تعمل بالفحم من 2.5 إلى 3.6 مليون دولار لكل ميجاوات، بينما يبلغ معدل التكلفة التشغيلية للمحطات الكهربائية التي تعمل بالفحم 36 دولارًا لكل ميجاوات ساعة، وهذا يمثل سعرًا منافسًا في أحمال الكهرباء الأساسية. لقد جاءت التوصية في مؤتمر كوب 28 لخفض تدريجي سريع للفحم، وفرض قيود على توليد الطاقة من الفحم. ويتم الضغط على الدول النامية بالذات لانهاء استخدام الفحم نهائيا. ويبدو أن هذا شبه مستحيل على المدى القريب والمتوسط، خصوصا في زمن الاضطرابات والأزمات الجيوسياسية وعلى ما يعيشه العالم في حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي، إلا إذا أوجد البديل المناسب اقتصاديًا واجتماعيًا وفنيًا. ما يجعل الفحم أطول قصة طاقة عرفها التاريخ الصناعي، وستظل حديث مؤتمرات المناخ والتغير المناخي والكوبات المقبلة.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.