اقتصاد

التكلفة الاجتماعية للأسعار

كاثرينا بيستور
كاثرينا بيستور
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

أصبح إصدار الأحكام على أساس السعر هو النمط السائد الآن، ليس في الاقتصاد فحسب، بل في السياسة العامة أيضا. وتحيط بمفهوم تسعير السياسات - من خلال قياس المزايا التي تعود على المجموعات المستهدفة والتكاليف التي قد يتحملها الآخرون باستخدام نفس وحدة القياس - هالة من الموضوعية والشفافية.

والهدف من ذلك هو تمكين صناع السياسات من الاختيار العقلاني من بين سبل مختلفة لحل المشكلة نفسها: مقارنة المشكلات المختلفة والسياسات المستخدمة في حلها حسب فعاليتها النسبية فقط من حيث التكلفة بالدولار أو بعملة أخرى. وبمجرد الانتهاء من جميع القياسات والمقارنات، يكاد يكون من الممكن الاستغناء عن الاعتبارات السياسية.

وهكذا يمكن أن تتحول فوضى السياسات، حيث المعاناة التي لا تنتهي من أجل إيجاد أرضية مشتركة بين أهداف غير متكافئة بطبيعتها، إلى لوحة جدولية مبسطة تتيح انتقاء الخيار الأكثر فاعلية من حيث التكلفة. وتصبح الحكومة حوكمة قائمة على التسعير.

ويحتذي هذا المفهوم بنموذج الأسواق المثالية من النوع الذي لا نجده إلا في الكتب الدراسية. وتكمن الفكرة في أن التبادل التجاري يكشف للمشترين والبائعين قيمة الأشياء، وبالتالي يحمل السعر جميع المعلومات ذات الصلة. وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا إلا على الأسواق ذات الكفاءة، أي الأسواق التي لا وجود فيها لتكلفة المعلومات وتكلفة المعاملات، وحيث لا مكان للمعاملات التي قد تفيد شخصا ما دون أن تضر آخر.

وحتى الأسواق المالية، وهي الدافع لوضع أول نموذج للكفاءة، تعتمد على بنية تحتية مؤسسية، مكونة من قواعد إفصاح ووكالات تصنيف وتحليلات مالية وجهات تنظيمية ورقابية، لإعداد تقديرات تقريبية حول كفاءة المعلومات. غير أن هذه الاستثمارات العامة في تحقيق الاستقرار المالي لم تحل على كثرتها دون تراكم الفقاعات وما يلحق بها من أزمات كما يلحق الليل بالنهار.

قد تشير شاشات عرض أسعار الأسهم في البورصة ومعدلات النمو إلى عدة أمور عن الاقتصاد، لكنها لا تتطرق إلى تداعياتها على رفاهية الإنسان أو البيئة.

أسفر تحول الشركات إلى ماكينات نقد لمصلحة المستثمرين عن غرائب. ومن أمثلة ذلك شركة بوينغ التي تصدرت عناوين الأخبار منذ عدة سنوات عندما تحطمت طائرتان من طراز 737 ماكس، وأخيرا مرة أخرى عندما انفجر أحد الأبواب في منتصف الرحلة. وعقب هذه الأحداث السابقة التي خلفت مئات القتلى من الركاب، وأقارب ثكالى من ورائهم، وتسببت في إيقاف الطائرات لعدة أشهر لإجراء فحوصات السلامة، أقام المساهمون دعوى قضائية ضد مديري الشركة، وطالبوا الشركة بتعويضات بمئات الملايين من الدولارات، بسبب الإخفاق في مراقبة سلامة منتجاتها.

وكشفت القضية عن إخفاق مجلس الإدارة في مراقبة سلامة الطائرات. فقد كان لمجلس الإدارة لجنة تدقيق ولجنة تعويضات، لكن لم تكن هناك لجنة معنية بسلامة المنتجات. كذلك، لم يكن هناك أي نظام معلومات لإبلاغ المديرين بمخاوف المهندسين حيال سلامة الطائرات.

وهكذا أصبح للمعايير والقياسات وإنشاء الأسعار الأولوية على حساب التدبر والتفكير المنطقي والتقدير. وقد تشير شاشات عرض أسعار الأسهم في البورصة ومعدلات النمو إلى عدة أمور عن الاقتصاد، لكنها لا تتطرق إلى تداعياتها على رفاهية الإنسان أو البيئة. ولا تعكس أي دلالة تذكر حول سلامة النظام السياسي والعلاقات الاجتماعية.

وفي الوقت الذي يبحث فيه المستثمرون عن ملاذات آمنة لأموالهم، لا تزال أغلبية خدمات تقديم الرعاية غير مدفوعة التكلفة، وتتحدد قيمة الإبداعات البشرية بقدرتها على جذب المشترين، وتختزل الطبيعة إلى مجرد فئة أخرى من الأصول التي يمكن استغلالها للحصول على المال، وما تبقى من المجتمع تحصده المنصات الرقمية الهادفة إلى الربح. وتلك هي التكلفة الاجتماعية لآلية الأسعار التي تغفل عن كل ما يهم البشر تقريبا.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.