اقتصاد أميركا

بالتيمور.. وأزمة الشحن البحري

د. خالد رمضان
د. خالد رمضان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

أدى تدمير جسر بالتيمور في ولاية ماريلاند الأميركية، منتصف هذا الأسبوع، إلى شل ميناء حيوي يتعامل مع 52 مليون طن من البضائع سنوياً، مما يزيد من حجم الضغوط على سلاسل التوريدات العالمية، وبالرغم من عدم وجود تقديرات فيدرالية بشأن مدة تطهير المياه وإعادة فتح الميناء، إلا أن بضائع بقيمة 81 مليار دولار تبدو مهددة الآن بالتعليق حتى إشعار آخر، ومما يزيد الطين بلة، أن هذا الحدث يتزامن مع رياح جيوسياسية عاتية، واضطرابات ما بعد الجائحة، لكنه، يعكس أيضاً خطورة الاعتماد المفرط على الشحن البحري في تزويد العالم بالإمدادات اليومية الضرورية مثل الأطعمة، والأدوية، والأجهزة الطبية، وضمن الشواهد على خطورة الاعتماد المفرط على النقل البحري، يقفز مشهد عسكرة البحر الأحمر، وتحويله إلى منطقة حرب، مما أجبر الشركات على تجاوز قناة السويس، والإبحار حول أفريقيا، في الوقت الذي يتم فيه تقييد مرور السفن عبر قناة بنما، بسبب قلة هطول الأمطار التي عرقلت إبحار الشحنات التجارية القادمة من آسيا إلى أميركا.

في المجمل، يعكس انهيار الجسر الأميركي، صورة بصرية أخرى مدهشة لهشاشة العولمة، فالجسر يعد نقطة التقاء رئيسة في مدينة صناعية مزدحمة بالسفن التجارية، فيما يعتبر ميناء مدينة بالتيمور عنصراً رئيساً في سلسلة الواردات الأميركية من السيارات الأوروبية والآسيوية، وهو أيضاً نقطة انطلاق مهمة لصادرات الفحم الأميركي، وبناءً عليه، فإن تأخر وصول العديد من البضائع إلى وجهاتها النهائية، سوف يجبر شركات الشحن بالضرورة على وضع خطط بديلة، وهذا من شأنه زيادة الطلب على خدمات النقل بالشاحنات والسكك الحديدية، وحتى إذا تمت إزالة الأنقاض من المياه، فإن حركة مرور البضائع ستتأثر مع زيادة أسعار الشحن، والواقع، أن القلق العالمي بشأن سلاسل الإمدادات، لم يعد يقتصر الآن على خبراء التجارة الدولية، بل أصبح أيضاً هاجساً بالنسبة للمستهلكين حول العالم.

بالرغم من أن آثار الاضطرابات في سلاسل التوريدات التي انفجرت أثناء جائحة كورونا قد اختفت إلى حد كبير، إلا أن أحد الآثار الباقية هو تضاعف أسعار الشحن، وعلى سبيل المثال، فإن تكلفة شحن حاوية بضائع من مصنع في الصين إلى مستودع في الولايات المتحدة قفزت من 2500 دولار قبل الوباء، إلى 10 أضعاف ذلك المبلغ، ومع ذلك، تظل العديد من المنتجات المستوردة نادرة الوجود في بعض الدول، في ظل الاعتماد المتزايد على المنتجات المحلية، وعلى سبيل المثال، فإن جزءا من مشكلة نقص تسليم المساكن الجديدة في الولايات المتحدة يعود إلى عدم تأمين المقاولين لعناصر مهمة مثل المفاتيح الكهربائية، وعدادات المياه، والتي يستغرق وصولها أكثر من عام، وهذا يعني أن نقص سلسلة التوريد لا يزال يعيق أعمال البناء.

ربما يستنتج البعض من هذه الوقائع أن العولمة نفسها كانت خاطئة، وهو شعور شعوبي كامن ومتزايد، ويستند في كثير من الأحيان على شعور نبيل تجاه تشجيع شراء المنتجات الوطنية، بالإضافة إلى أن التصنيع المحلي يزيل القلق بشأن النقل، إلا أن تيار العولمة الجارف له رأي مختلف، فهو يستند إلى حسابات الأرباح والخسائر، خاصة إذا كان المنتج المحلي أكثر تكلفة وأقل جودة، وبالتالي تريد الشركات توفير مبالغ طائلة عبر شراء المنتج الأرخص، فضلاً عن تلبية رغبة المستهلكين المتعلقة بمعايير الجودة، ومع ذلك، تبدو الشركات عازمة على الحد من خطورة النقل عبر المحيطات في ظل التقلبات الجيوسياسية، ولهذا يسعى مصنعو أوروبا وأميركا على نقل الإنتاج بالقرب من عملائهم، وفي مقابل هذه التحولات، تشكل كارثة بالتيمور تحدياً ممتداً لسلاسل التوريدات العالمية، لأن الافتقار إلى قطعة غيار ضرورية، سوف يجبر الشركات على إيقاف خطوط الإنتاج بانتظار وصول قطع الغيار المفقودة.

*نقلا عن صحيفة "الرياض" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.