اقتصاد أوروبا وديونها وحديث ماكرون عن الفقر والفناء
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
حديث الرئيس الفرنسي ماكرون عن الفقر في أوروبا والفناء يعيد إلى الطاولة ما تواجهه القارة من مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية ولكن بلغة حادة. يقول ماكرون "قواعد اللعبة اليوم تغيرت مع بروز قوى جديدة، وأوروبا مهدّدة بالفناء والموت إن لم تستعد لمواجهة المخاطر المحتملة".
فكرة موت الأمم والاندثار قاسية وعنيفة إلا أنها تبقى واقعا، فالمجتمعات تموت كما يموت الأفراد. أعاد ماكرون استخدم الكلمات من جامعة السوربون، وهو نفس المكان الذي استخدم فيه المفكر والفيلسوف إرنست رينان حديثا مشابها حينما ألقى محاضرته الشهيرة في 11 مارس 1882 بعنوان "ما هي الأمة؟.
تواجه أوروبا 4 تحديات رئيسية بعضها قصير المدى وبعضها الآخر طويل المدى. تشمل التحديات الجيو-سياسية، الحرب في أوكرانيا بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة، وانقطاع سلاسل التوريد، وتدفق اللاجئين، واحتمال نشوب صراع أوسع نطاق. كما تواجه صعود الصين، التهديدات الإرهابية، والهجرة غير الشرعية. أيضا توجد شكوك حول مدى التزام أميركا بأمن أوروبا.
ثاني هذه التحديات اقتصادية؛ تشمل ارتفاع التضخم، أزمة الطاقة، الدين العام، وعدم المساواة وهي مشكلة كبيرة في العديد من الدول الأوروبية، حيث تُفجّر التوترات الاجتماعية وتُهدد الاستقرار السياسي. وكالة الإحصاء الأوروبية " يوروستات" قالت إن أكثر من 20 دولة بالاتحاد الأوروبي سجلت عجزًا في الموازنة خلال عام 2023.
أما التحديان الثالث فهو التحدي البيئي مثل تغير المناخ، فيما التحدي الأخير اجتماعي يشمل التشيخ السكاني وارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب.
تواجه 11 دولة أوروبية العجز عجزاً في الميزانية أكبر من عتبة الـ 3% من الناتج المحلي الإجمالي المسموح بها بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، فيما تلزم اتفاقية الاستقرار والنمو الأوروبية دول الاتحاد الأوروبي بعجز في الميزانية بنسبة لا تتجاوز 3%، وبإجمالي ديون سيادية لا تتجاوز نسبتها 60 % من إجمالي الناتج المحلي، ومن لا يلتزم يتعرض لفرض غرامات.
الخطير في الأمر أن دولا مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا يتجاوز عجزها 3% ولا تخطط للعودة إلى الامتثال خلال السنوات القليلة المقبلة للعقوبات. عدم الالتزام قد يكون بداية مشوار طويل للتفكك.
أيضا ديون بعض هذه الدول مرتفعة مثل إيطاليا التي قد يتجاوز اقتراضها 140% من الناتج الإجمالي. بيانات "يوروستات" تكشف أن مستوى الدين في 13 دولة أوروبية بلغ أعلى من 60% من إجمالي الناتج المحلي خلال عام 2023، وكانت اليونان الأعلى بنسبة 161.9 % تليها، إيطاليا بنسبة 137.3%، ثم فرنسا 110.6%، وإسبانيا 107.6% وبلجيكا 105.2%.
أيضا تواجه حكومات هذه الدول معضلة من الناحية الأخرى وهي أن زيادة الضرائب أو محاولة تقليص الإنفاق للسيطرة على الديون والوفاء بالتزامات الاتحاد الأوروبي تغضب الناخبين.
هذا بالضبط ما حذرت منه فامكه كرومبولر من "إرنست آند يونغ"، من أن الوضع الاقتصادي الهش في أوروبا يُمثل أرضاً خصبة لنمو الخطاب الشعبوي، خاصة مع احتمالية دخول الدول في جولة جديدة من التقشف المالي.
أيضا بيانات "يوروستات" كشفت أن 23 دولة أوروبية أنفقت أموال أكثر من التي حصلت عليها، وسجلت إيطاليا أعلى نسبة عجز بلغت 7.4%، تليها المجر 6.7% ورومانيا 6.6%. يقول كولين إليس في وكالة "موديز" "يبدو من الصعب بناء الدعم العام لخفض الديون. بينما نتوقع أن ينتعش النمو في أوروبا هذا العام، فإن ديناميكيات الديون لا تزال تبدو مثيرة للمشاكل بالنسبة لعدد من البلدان".
تعيش أوروبا بالفعل قنبلة سياسية واقتصادية، فالحرب على حدودها ومخاوف الدخول في صراع مع روسيا تتصاعد، وحجم الديون مرتفع لمستويات تتخطى في بعض الدول المسموح به أوروبيا، وحكوماتها غير قادرة على السيطرة على إنفاقها مخافة معاقبتها سياسيا عبر صناديق الاقتراع، ومن كل هذا وغيره من المخاطر العسكرية والاقتصادية حذر ماكرون: "قد تجعل أوروبا تموت أو تتراجع أمام القوى العظمى الأخرى"!.