اقتصاد عالمي

عصر الديون المذهلة

د. خالد رمضان
د. خالد رمضان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

تجددت المخاوف، هذا الأسبوع، إزاء قدرة العالم على تحمل أعباء الديون، بعدما أصدر معهد التمويل الدولي تقريراً مفزعاً أفصح فيه، عن كومة ديون عالمية بقيمة 315 تريليون دولار، لتضاف إلى جملة الأزمات الدراماتيكية التي تعصف بالاقتصاد العالمي في الوقت الراهن، ببساطة، نحن مقبلون على أزمة ديون عالمية طاحنة في المستقبل، ولا نعرف حتى الآن كيفية حلها، وعلى سبيل المثال، فإن الاقتصاد الأميركي يعاني ارتفاعاً صاروخيا في المديونية التي تخطت 34 تريليون دولار، مع تضاعف نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 60.2 % إلى 120.6 % خلال 20 عاماً، بل إن الديون الأميركية مرشحة للوصول إلى 130 تريليون دولار بعد ثلاثين عاماُ، وهذا يعني أن أكبر اقتصاد عالمي قد يفقد مكبح القيادة، ويسير باتجاه طريق مجهول.

يمكن أن نقيس خطر الديون الفلكية على ثلاثة مستويات رئيسية، الأول تراجع الإنفاق الحكومي بشكل مذهل، والثاني زيادة تعرض الدول المدينة للصدمات السوقية، والثالث إجبار البنوك المركزية على اتخاذ سياسات نقدية ومالية صعبة للحيلولة دون خروج الأزمة عن السيطرة، ومن المرجح أن يضع تفاقم الأرقام المرعبة للديون صناع السياسات المالية في مأزق كبير، فضلاً عن أن العودة للتعافي في سوق مضطربة سيصبح أمراً بالغ الصعوبة، ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية أمام الأجيال القادمة، تجبر صناع السياسات على ضرورة التوصل إلى حلول استراتيجية للتصدي لمعضلة الديون بشكل تدريجي ومتوازن، حتى لا يتم تسليم الراية للأجيال القادمة، والديون تحاصرهم من كل اتجاه.

منذ إنشائهما قبل 80 عاماً، أثار صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، شكاوى وانتقادات من اليسار واليمين، فقد كان تركيز صندوق النقد على إقراض الدول المتعثرة بهدف إنقاذها من ضائقتها المالية، في حين انصب تركيز البنك الدولي على الحد من الفقر والاستثمار في التنمية الاجتماعية، ولكن، بعد ثمانية عقود من تأسيس هاتين المؤسستين الماليتين، نجد أن البنية المالية العالمية أصبحت قديمة ومختلة وغير عادلة، وحتى الأهداف الأساسية المتعلقة بالجوع والفقر تراجعت، إذ أن أكثر من ثلاثة أرباع الدول المستفيدة من صندوق النقد الدولي لم تكن موجودة عند تأسيسه في 1944، وعلى سبيل المثال، فإن الصين، التي تعرضت للدمار في الحرب العالمية الثانية، أصبحت الآن ثاني أكبر اقتصاد عالمي، والهند، التي كانت مستعمرة بريطانية، باتت اليوم واحدة من أكبر خمسة اقتصادات في العالم.

والواقع، أن حل معضلة الديون اليوم أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، بسبب دخول الصين، وجحافل الدائنين من القطاع الخاص على الخط، بدلاً من مجرد حفنة دائنة من البنوك الغربية، وبالنسبة للدول الفقيرة، فإن عبء الديون يصيبها بالشلل، لأنها مجبرة على سداد فوائد الديون بدلاً من الإنفاق مثلاً على التعليم، والرعاية الصحية، ومكافحة التغير المناخي، هذا فضلاً عن ارتهان حجم ديونها بشكل كبير للاحتياطي الفيدرالي، والبنوك المركزية الأخرى، فإذا رفعت هذه البنوك أسعار الفائدة سترتفع بالتالي ديون الدول الفقيرة، وبشكل عام، فإن الدول المتعثرة بحاجة الآن إلى المزيد من المنح، والقروض ذات الفائدة المنخفضة، مع وضع جداول زمنية طويلة للسداد، مع تطبيق إصلاحات اقتصادية وهيكلية عميقة، تناسب شعوبها، للخروج من هذا المأزق الخطير.

* نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط