استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 3 فبراير 2025، أمراً تنفيذياً بتأسيس صندوق سيادي أميركي، مستلهما التجربة السعودية، حيث قال صراحة بأن “السعودية لديها صندوق سيادي رائع وسنسعى للحاق بهم”، مما يثير تساؤلات حول دوافعه لهذه الخطوة، وسبب اختياره للنموذج السعودي تحديدًا، ومدى إمكانية نجاح مشروعه في بيئة اقتصادية وسياسية مختلفة، وتأثيره على الصناديق السيادية والاقتصاد العالمي.
جدية الرئيس الأميركي في تأسيس صندوق سيادي لا يعني بالضرورة أنه سيشابه الصندوق السعودي لاختلاف البنية الاقتصادية والسياسية للبلدين، فمن المرجح أنه سيعتمد على مصادر تمويلية مثل فرض رسوم جديدة على الصادرات والواردات، أو الاستفادة من عائدات الطاقة، أو خصخصة بعض الأصول الحكومية وإعادة استثمارها في الصندوق، وسيواجه الصندوق التحدي الأكبر وهو البيئة السياسية الأميركية، حيث الفرضية المحتملة أنه سيتعرض لمقاومة شديدة من الكونغرس، خصوصا من الديمقراطيين الذين يعارضون سياسات الاستثمار التي تعتمد على المركزية في اتخاذ القرار، أو لخشية تأثير الصندوق على الميزانية العامة.
من المتوقع أن يتبع الصندوق الأميركي نهجا مختلفا عن الصناديق السيادية الأخرى، فبدلاً من الاستثمار طويل الأجل الذي يهدف إلى تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، قد يتجه إلى منافسة مباشرة للصناديق السيادية الكبرى العالمية، من خلال توجيه استثمارات ضخمة إلى الأسواق الناشئة وقطاعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع، مع تسخير شرس له كأداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي الأميركي عالميًا، من خلال الاستحواذ على شركات استراتيجية، أو الدخول في مشاريع عملاقة ذات طابع جيوسياسي، وهذا سوف يؤدي إلى اضطراب في التوازنات الاقتصادية العالمية.
كما أن الصندوق الأميركي سيتوسع تأثيره لملامسة حركة رؤوس الأموال والاستثمارات العالمية في حال تبنى الصندوق سياسات استثمارية عدوانية، مما يعني استقطاب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة، وهذا قد يضعف الاقتصادات النامية التي تعتمد على الاستثمارات الأجنبية، مما يعني أن تحركات الصندوق قد تؤدي إلى خلق أزمة في التقييمات السوقية، حيث قد يؤدي تدفق الأموال الأميركية إلى تضخم غير مبرر في بعض الأصول، وهذا قد يخلق فقاعات اقتصادية تؤثر على الاستقرار المالي العالمي.
في المقابل، سترى الصناديق السيادية الكبرى في الصندوق الأميركي محاولة جديدة للهيمنة الأميركية على الأسواق العالمية، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وربما حتى اندلاع حرب اقتصادية باردة بين الولايات المتحدة والدول التي تملك صناديق سيادية ضخمة كنتيجة طبيعية لرد فعل هذه الدول في اتخاذ تدابير وقائية لمواجهة أي تحركات أميركية قد تؤثر على استثماراتها.
إلا أن نجاح الصندوق الأميركي يبقى ممكنا إذا تمكن من تحقيق الاستقلالية والاستقرار على المدى الطويل، خاصة أنه مُعرّض لأن يكون رهينة للتغيرات السياسية (تحد يواجه كل الصناديق ولكن بنسب متفاوتة) مما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات استثمارية قصيرة الأجل تخدم برامج سياسية بدلاً من تحقيق مكاسب اقتصادية طويلة الأمد، والاستفادة من تجارب الصناديق الأخرى – بجانب الصندوق السعودي – مثل النرويجية والصينية والسنغافورية.
تأسيس صندوق سيادي أميركي يعكس إدراك “ترامب” لدور الصندوق السيادي في تعزيز النفوذ الاقتصادي، ونجاحه سيعتمد على استدامته واستقلاله، مع مراعاة خصوصية البيئة الاقتصادية والسياسية الأميركية، واهتمامه بالنموذج السعودي يعكس نجاح المملكة في بناء صندوق سيادي عالمي بجانب نماذج أخرى بارزة، مما يجعلها قوة استثمارية يُنظر إليها دوليًا في إدارة الثروات الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة.
*نقلا عن صحيفة "مال" السعودية.