رسوم جمركية

التعريفات الجمركية سلاح جديد في "حرب التحرير"

ليون برخو
ليون برخو
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لا أعلم متى سأتوقف عن الكتابة حول السياسة الحمائية الأميركية الجديدة متمثلة في طوفان من التعريفات الجمركية التي صارت بمنزلة سلاح اقتصادي لتحقيق أغراض وغايات وأهداف ليس في مقدور أي سلاح حرب مهما اشتد فتكه تحقيقها.

وفي مقالي هذا ليس ودي تكرار ما اجتره الإعلام حول إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء الفائت فرض تعريفات جمركية جديدة شاملة غطت حتى، حسب جريدة ذي جاردين، جزرا بركانية جرداء غير مأهولة متجمدة تماما في القطب الجنوبي وهي مساكن لطائر البطريق.

في رأيي هناك نقطتان مهمتان إما تغاضى عنهما الإعلام أو مرّ عليهما مرور الكرام. الأولى، تخص الاعتراف الصريح الذي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يطرح على جمهرة من الصحافيين والمسؤولين الأسباب الموجبة التي دعته إلى اتخاذ قرار حاسم مثل هذا الذي فيه ربما لم يترك دولة إلا وشن "حرب التحرير" عليها مستخدما سلاح التعريفات الجمركية.

هذا اعتراف نادر لأن فيه يقر ترامب "وبعظمة لسانه" أن أميركا تمر بأزمة اقتصادية شديدة فيها يتناقص تراكم الثروة بدلا من تضخمه؛ وأخشى ما تخشاه الرأسمالية هو توقف نمو الثروة ولكن إن بدأت الثروة في النقصان فهذا يصل إلى درجة الكارثة.

شخصيا أتابع ترامب ليس الآن، لكن منذ فترة رئاسته الأولى، وقد كتبت عدة أبحاث أكاديمية محللا ومفككا لخطاباته وأقواله مستخدما النقد التحليلي. أقول هنا صراحة لم يحدث أن رأيت أو سمعت ترامب يتحدث بواقعية وصدق مثلما كان في ظهوره أمام الملأ وهو يدافع عن شنه حربا على العالم أجمع تقريبا، حربا لا هوادة فيها متكئا على سلاح التعريفات الجمركية.

كان ترامب صريحا ومحقا في قوله إن الصناعة الأميركية في خطر، وإن الثروة الأميركية في أزمة، وإن لم يتحرك فإن زمام المبادرة في قيادة العالم لا بل في استدامة رخاء الاقتصاد الوطني ستفلت من يد أميركا. ليس سرا أن الولايات المتحدة صارت تنفق وتستورد أكثر بكثير مما تنتج وتصدر.

في آخر تقرير لجهاز المحاسبة الحكومي في الولايات المتحدة U.S. Government Accountability Office كان هناك ما يشبه إنذارا نهائيا أن الدين الفيدرالي والعجز المالي يتفاقمان بدرجات لن يتمكن الاقتصاد الأميركي من التعايش معها إن لم تتخذ سياسات فورية للحد من الإنفاق وتراكم الديون.

وجاء في التقرير: "إن السياسة المالية (الحالية) لم يعد في الإمكان استدامتها وإن لم تتم معالجتها فإنها قد تقود إلى تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية خطيرة".

فمثلا، أنفقت الحكومة 1.8 تريليون دولار أكثر من الواردات التي حققتها في عام 2024، حسب التقرير، الذي أضاف أن "الحاجة ملحة للإنفاق في غياب مؤشرات على تحسن الواردات الحكومية في السنين المقبلة".

وإن علمنا أن العجز الحكومي بلغ حتى سبتمبر من العام الماضي 28.2 تريليون دولار، وهو تراكم الديون، ويصل إلى 98% من الإنتاج المحلي الإجمالي، لربما فهمنا لماذا اللجوء إلى سلاح التعريفات الجمركية.

وأزيد من الشعر بيتا وأقول إن التوقعات هي أن يبلغ العجز الحكومي فيه أكثر من 200 % من الإنتاج المحلي الإجمالي في 2052 إن بقيت الأمور على ما هي.
إن وصل العجز المالي إلى نسبة 200 % من الإنتاج المحلي الإجمالي عندها هناك احتمال استفحال الأمور في شتى المضامير وعندها أيضا ستفقد أميركا مكانتها ليس كأعظم اقتصاد في العالم بل في مجمل الحقول التي تقود العالم فيها حاليا وفي مقدمتها القوة العسكرية.

من هنا نرى أن سلاح التعريفات الجمركية هو ربما آخر الدواء المتوافر لدرء خطر محدق، حسب وجهة نظر الإدارة الحالية في البيت الأبيض، وهناك كثير من المحللين والاقتصاديين ممن يتفق مع وجهة النظر هذه.

وسنأتي على النقطة المهمة الثانية في مقال الأسبوع المقبل بعون الله.

*نقلا عن صحفية "الاقتصادية السعودية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط