المؤتمرات العلمية.. محرك اقتصادي يعزز الابتكار والنمو المستدام
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والعلمي، أصبحت المؤتمرات العلمية أكثر من مجرد لقاءات أكاديمية؛ إنها ركائز أساسية للعائد الاقتصادي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والقطاعات. وفقاً لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في عام 2023، يُساهم الابتكار العلمي، الذي تُعززه هذه المؤتمرات، في نحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، من خلال نقل المعرفة وتشكيل الشراكات التجارية.
هذا العائد ليس نظرياً فحسب، بل يترجم إلى أرقام ملموسة: في الولايات المتحدة وحدها، ساهمت صناعة الفعاليات والمؤتمرات في إنفاق يصل إلى 280 مليار دولار أمريكي في عام 2012، وفقاً لتقديرات مجلس صناعة المؤتمرات، وشهدت نمواً بنسبة 5.29% سنوياً لتصل إلى 73.98 مليار دولار بحلول عام 2030. مع دخول عام 2024، يُتوقع أن يصل حجم سوق المؤتمرات والفعاليات العالمي إلى 33.02 مليار دولار، ليصل إلى 44.64 مليار دولار بحلول 2033، بنمو سنوي مركب قدره 3.4%، كما أفاد تقرير Business Research Insights
تكمن جذور هذا العائد في الدور الذي تلعبه المؤتمرات كجسور بين العلم والاقتصاد. في المملكة المتحدة على سبيل المثال أدت الإنفاقات على الفعاليات إلى 19.4 مليار جنيه إسترليني في عام 2016، كما أنه في الولايات المتحدة جذبت المؤتمرات العلمية 200 مليون مشارك عالمياً حسب دراسة مجلس صناعة المؤتمرات لعام 2023. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات؛ إنها تعكس تأثيراً مباشراً على الاقتصادات المحلية من خلال الإنفاق على الفنادق، النقل، والخدمات السياحية. دراسة أجرتها جمعية الإحصاء الأمريكية في عام 2024 أظهرت أن كل مؤتمر علمي كبير يولد عائداً اقتصادياً يصل إلى 1.5 ضعف تكلفته، حيث يُعيد 150% من الاستثمار الأولي عبر الشراكات الجديدة والابتكارات التي تنتقل إلى السوق. في أوروبا ساهم قطاع MICE (الاجتماعات، الحوافز، المؤتمرات، والمعارض) بنسبة 44% من إجمالي الإيرادات في آسيا والمحيط الهادئ، الذي بلغ 411.40 مليار دولار في 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 873.84 مليار دولار بحلول 2034، بنمو سنوي مركب 7.30%، وفقاً لتقرير Precedence Research .
ومع ذلك يتجاوز العائد الاقتصادي المباشر ليشمل الفوائد غير المادية التي تحول الاقتصادات على المدى الطويل. دراسة نشرتها مجلة Nature Human Behaviors في عام 2021، وأعادت تأكيدها في تحديث 2023، أكدت أن المؤتمرات العلمية تزيد من التنوع في المشاركة بنسبة 25% مقارنة باللقاءات التقليدية، مما يعزز الابتكار ويقلل من الفجوات الجغرافية والاجتماعية. على سبيل المثال، في ألمانيا، أجرت دراسة على طلاب الدكتوراه وباحثي لما بعد دكتوراه في عام 2020، نشرت في PMC عام 2023، أظهرت أن 25% من المشاركين في المؤتمرات الوطنية أسسوا تعاونات بحثية جديدة، أدت إلى مشاريع تجارية بقيمة تصل إلى 10 ملايين يورو سنوياً. هذا التعاون يترجم إلى براءات اختراع وشركات ناشئة؛ ففي الولايات المتحدة، أفاد تقرير الجمعية الوطنية للعلوم (NSF) لعام 2023 أن برنامج "المحركات الإقليمية للابتكار"، الذي يدعم المؤتمرات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، ساهم في خلق 100,000 وظيفة جديدة ، بتمويل يصل إلى 50 مليون دولار.
بالإضافة إلى ذلك؛ تُعد المؤتمرات أداة للاستدامة الاقتصادية. تقرير OECD لعام 2023 يؤكد أن الابتكارات الناتجة عن هذه اللقاءات في مجالات الطاقة والزراعة ستساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية بنسبة 20% بحلول 2030، مما يوفر مليارات الدولارات في التكاليف البيئية. في الولايات المتحدة أدى برنامج NSF إلى تمويل 25 معهد بحث في الذكاء الاصطناعي عبر المؤتمرات، مما عزز النمو الاقتصادي بنسبة 1.7% في 2024. ومع ذلك، يظل التحدي في قياس العائد بدقة؛ فـ38.2% من المنظمين يواجهون صعوبة في إثبات العائد على الاستثمار.
وفي الختام؛ تمثل المؤتمرات العلمية استثماراً استراتيجياً يجمع بين الابتكار والاقتصاد، مع عائد يتجاوز المليارات مع توقعات نمو سوق MICE إلى 73.98 مليار دولار بحلول 2030. وفي عالم يعتمد على المعرفة، تظل هذه المؤتمرات المفتاح للاقتصادات المزدهرة، حيث تحول الأفكار إلى ثروة حقيقية.
* نقلا عن صحيفة "مال"