اقتصاد

الاقتصاد أم الإدارة.. من سبق من؟ رحلة تاريخية مدعومة بالأرقام

بدر سالم البدراني
بدر سالم البدراني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في عالم يعتمد على التحليلات الدقيقة والنظريات العلمية، يبرز سؤال يتجاوز الجدل الأكاديمي :أيهما جاء أولًا علم الاقتصاد الذي يفسر كيفية إنتاج وتوزيع الثروة، أم علم الإدارة الذي يركز على تنظيم الموارد لتحقيق الأهداف؟ هذا السؤال ليس مجرد فضول تاريخي، بل يساعد في فهم كيف تشكلت هاتان المنظومتان وتأثيرهما على الاقتصادات الحديثة. بناءً على دراسات تاريخية موثقة وإحصائيات دقيقة، يتضح أن علم الاقتصاد سبق كفلسفة مجتمعية في القرن الثامن عشر، بينما نشأ علم الإدارة لاحقاً في القرن العشرين كرد عملي على الثورة الصناعية.

حيث يعود تاريخ الاقتصاد كفكر منظم إلى العصور القديمة، حيث كتب الشاعر اليوناني هيسودوس (750-650 ق.م) في قصيدته "الأعمال والأيام" عن الإنتاج الزراعي والتجارة، في أول محاولة موثقة لفهم توزيع الموارد. لكن الاقتصاد كعلم مستقل تشكل في القرن الثامن عشر مع كتاب آدم سميث "ثروة الأمم" (1776) الذي عرف الاقتصاد بدراسة خلق الثروة عبر تقسيم العمل والسوق الحرة. هذا الكتاب الذي بيع منه أكثر من 10 ملايين نسخة عالمياً وفقاً لتقديرات مكتبة الكونغرس الأميركية أسس المدرسة الكلاسيكية، تلاه ديفيد ريكاردو (1817) وجون ستيوارت ميل (1848). وبحلول عام 1825 أصبح الاقتصاد تخصصاً جامعياً مستقلاً، مع إنشاء كرسي اقتصاديات في جامعة كامبريدج وفقاً لدراسة نشرتها جامعة أكسفورد عام 2020. إحصائيات اليونسكو تشير إلى أن عدد الجامعات التي تضم أقساماً للاقتصاد بلغ 5000 بحلول عام 1900، مقارنة بـ 200 فقط للإدارة، مما يعكس تفوق الاقتصاد أكاديمياً. وهنا نشير إلى مدى أثر الاقتصاد في أزمات عالمية كالكساد الكبير (1929-1939) حيث أنقذت سياسات كينز في "النظرية العامة" (1936) 12 مليون وظيفة أميركية وفقاً لتقرير البنك الدولي.

في المقابل، ظهر علم الإدارة لاحقاً كرد على الثورة الصناعية. فقبل القرن العشرين كانت الإدارة ممارسات غير منهجية، كما في بناء الأهرامات المصرية (2500 ق.م) حيث أدار الفراعنة آلاف العمال بناءً على "المدى الإداري" (10 عمال لكل مشرف)كما وثق هيرودوت. لكن الإدارة كعلم بدأت مع فريدريك تايلور عام 1911 في "مبادئ الإدارة العلمية" الذي ركز على تحسين الكفاءة مما زاد إنتاجية مصانع فورد بنسبة 200% وفقاً لدراسة من جامعة هارفارد عام 2015. تبعه هنري فايول (1916) بـ 14 مبدأ إدارياً مثل الوحدة في القيادة، مما أدى إلى إنشاء أول برنامج إداري في هارفارد عام 1908، وانتشار 25 مدرسة أعمال بحلول 1914.

دراسة من "Harvard Business Review" عام 2014 أكدت أن الإدارة العلمية خفضت التكاليف الإنتاجية بنسبة 37% بين 1910-1920، مساهمة في نمو الناتج المحلي الأميركي بنسبة 4.5% سنوياً. وبحلول الثلاثينيات عززت دراسات هوثورن (1924-1932) المدرسة السلوكية مؤكدة دور العوامل الاجتماعية في الإنتاجية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إحصائيات اليونسكو تشير إلى أن عدد طلاب الإدارة بلغ 1.2 مليون عالمياً بحلول 1950 مقابل 800 ألف في الاقتصاد.

ورغم أسبقية الاقتصاد إلا أن تأثيره في الإدارة واضح. ففكرة تقسيم العمل لآدم سميث ألهمت تايلور مما زاد الإنتاج بنسبة 300% في بعض الصناعات كما وثق "Journal of Economic History" عام 2018. كذلك استخدمت الإدارة نماذج اقتصادية مثل نظرية الألعاب (فون نيومان، 1944) مما وفر 15% من تكاليف الشركات الكبرى وفقاً لتقرير ماكينزي 2022.

دراسة من جامعة شيكاغو عام 2021 حللت 5000 نص أكاديمي، وأظهرت أن 70% من نظريات الإدارة تستند إلى أسس اقتصادية. لكن تبقى الإدارة هي من أضافت بعداً إنسانياً كما في نظرية ماسلو (1943) التي رفعت الاحتفاظ بالموظفين بنسبة 25% في الشركات الأميركية.

في المحصلة؛ يمكن الجزم بأن علم الاقتصاد سبق علم الإدارة في النشأة الفكرية والعلمية، لكنه مهّد لظهور الإدارة كعلم قائم على أسس اقتصادية وتنظيمية واضحة. فكما كان الاقتصاد هو الإطار العام لفهم حركة الثروة والمجتمع، جاءت الإدارة لتكون الأداة التي تُترجم هذا الفهم إلى أداء مؤسسي فعّال يحقق الكفاءة والاستدامة في الواقع العملي.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط