الأسواق العالمية

جراحة التخفيض.. هل تكفي لإحياء الجثث المالية أم لتأجيل موعد الجنازة؟

جمال بنون
جمال بنون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في دهاليز أسواق المال، لا تحمل كل الأضواء المتلألئة بالضرورة حياة؛ فبينما تتداول أسهمها يومياً، توجد كيانات أشبه بـ "شركات الزومبي"؛ شركات ميتة من الداخل، أضناها نزيف الخسائر المتراكمة حتى تآكل رأس مالها، لكنها ترفض السقوط النهائي بفضل سياسات نقدية وإدارية تحافظ على قشرتها الخارجية. إعلان شركة تهامة للإعلان عن جراحتها العاجلة لتخفيض رأس مالها بأكثر من 42% لإطفاء هذه الخسائر، يضعنا أمام محك اقتصادي وشخصي عميق، هل هذه محاولة بطولية لإعادة الروح، أم مجرد إطالة لعذاب كيان حان وقت دفنه؟

إن ما تفعله "تهامة" هو إجراء تقني ومحاسبي بحت يُعرف بـ "غسيل الميزانية"، حيث يمحو تخفيض رأس المال الخسائر المتراكمة من الدفاتر، فيعيد للشركة كرامتها التقنية ويجنبها الدخول في سيناريو الإفلاس الفوري. لكن الإنعاش الحقيقي لا يكمن في هذا الإجراء، بل في الخطة الإصلاحية الجذرية التي وعدت بها، والتي تشمل خفض النفقات والمجازفة بالدخول في مجالات جديدة كالترفيه والمطاعم. هي ورقة أخيرة للعب، حيث يُعلق المساهمون آمالهم على أن التنويع غير التقليدي قد يولد قيمة حقيقية من العدم.

هذا المشهد ليس حكراً على أسواقنا المحلية؛ بل هو ظاهرة عالمية متنامية. ففي اليابان خلال "العقد الضائع" في التسعينيات، ظهر مصطلح "شركات الزومبي" لأول مرة لوصف الشركات التي استمرت في العمل رغم أنها كانت بالكاد قادرة على تغطية فوائد ديونها، وذلك بفضل استمرار البنوك في ضخ التمويل الرخيص خوفاً من الاعتراف بضخامة القروض المتعثرة. وفي الولايات المتحدة وأوروبا، وبسبب سنوات من أسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً، تضخمت أعداد هذه الشركات بشكل لافت، حتى وصلت في بعض الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 15% من إجمالي الشركات المدرجة. هذه الشركات العالمية، مثل نظيرتها المحلية، تنجو عبر إعادة جدولة الديون واستغلال سيولة السوق، مستمرة في البقاء دون أن تضيف أي نمو أو ابتكار حقيقي.

لماذا يصر المساهمون والإدارات على إنقاذ شركة "لا تسمن ولا تغني من جوع"؟ الإجابة تكمن في صراع المصالح والأمل الأخير؛ فالمساهمون الكبار لا يرغبون في الاعتراف بالخسارة الكاملة، مفضلين التمسك بالخيط الرفيع من أمل التعافي. كما أن عملية التصفية والإفلاس معقدة وطويلة قانونياً، ونادراً ما يستفيد منها المستثمر الصغير. ناهيك عن أن هذه الشركات قد تمتلك أصولاً عقارية كامنة أو رخصاً تجارية قديمة يعتقدون أنه يمكن استغلالها تحت إدارة جديدة، وهو ما يُفسر محاولات الإنعاش المتكررة لشركات مثل "بندة" السعودية في قطاع التجزئة، التي اضطرت لخفض رأس مالها عدة مرات لتمحو خسائرها المتراكمة، في محاولة لضخ دماء جديدة والحفاظ على الأصول القائمة.

لكن الثمن الذي يدفعه السوق مقابل إبقاء هذه الشركات حية غالباً ما يكون باهظاً وله تأثير سلبي عميق على الاقتصاد الكلي؛ فوجود "الزومبي" يعطّل دورة "التدمير الخلاق" الضرورية لنمو الاقتصاد، حيث يجب أن تفسح الشركات الضعيفة المجال لشركات جديدة أكثر كفاءة وابتكاراً. إنهم يستهلكون الموارد ويحبسون الكفاءات الموهوبة التي كان يمكن أن تذهب لشركات ديناميكية قادرة على النمو. كما أن السياسات النقدية السهلة التي سمحت لهم بالبقاء، قد انقلبت عليهم الآن مع ارتفاع أسعار الفائدة، مما يهدد بانهيار جماعي لهذه الكيانات التي لم تعد تستطيع تحمل تكلفة خدمة ديونها المرتفعة، وهو ما نراه اليوم من تحذيرات في الأسواق الأوروبية والأمريكية بخصوص موجة إفلاس قادمة لشركات الزومبي.

قضية "تهامة" وغيرها من الشركات المماثلة هي بمثابة محك لكفاءة سوق المال وصرامته. إنها تذكرنا بأن استنزاف رأس المال في محاولات إنعاش مستمرة دون خطة عمل جذرية هو هدر للموارد الوطنية والمالية. يجب أن تكون عملية الإنعاش مشروطة بمعايير صارمة على أن تكون الخطة الإصلاحية حقيقية وواقعية، مع وجود محاسبة قاسية على العودة للربحية في جدول زمني محدد. وإذا فشلت كل المحاولات الأخيرة، فإن "قراءة الفاتحة" على الشركة وتصفيتها، مع كل ما تحمله الكلمة من قسوة، ليس علامة ضعف؛ بل هو دليل على صحة السوق وقوته، وتأكيد على أن السوق لا يحتاج إلى أشباح تستهلك موارده، بل إلى شركات حية تنمو وتضيف قيمة وتُثري الاقتصاد. السوق يحتاج إلى حياة جديدة بدلاً من التمسك بالماضي الباهت.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط