اقتصاد السعودية

حماية المؤشرات الجغرافية .. ولادة عصر جديد للمنتجات السعودية

جمال بنون
جمال بنون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في عالم يتبدل بسرعة وتتقاطع فيه المصالح والأسواق وتتسابق فيه الدول لإبراز تميز منتجاتها وسط زحام المنافسة العالمية المتصاعدة، أصبح المستهلك العالمي لا يبحث عن سلعة جيدة فحسب، بل عن منتج يحمل قصة المكان وروح البيئة وذاكرة الإنسان. فالأذواق لم تعد تقودها الجودة وحدها، بل الهوية أيضًا؛ هوية تربط المنتج بجغرافيته، وتمنحه خصوصيته التي لا يمكن تقليدها أو استنساخها.

ومن هذا المنطلق، برزت المؤشرات الجغرافية كأحد أهم الأدوات الاقتصادية الحديثة، إذ توفر حماية قانونية للمنتجات المرتبطة بمناطق محددة وتمنحها قيمة مضافة، فتجعلها قادرة على المنافسة عالميًا وتحوّل موطنها إلى مركز اقتصادي متميز.

ولأن المملكة العربية السعودية تتحرك بخطوات راسخة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام ينسجم مع رؤية 2030، فقد اتخذت خطوة إستراتيجية بنشر نظام حماية المؤشرات الجغرافية رسميًا في جريدة أم القرى، الجريدة الحكومية الرسمية. هذا النشر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يمثل انتقالًا واعيًا نحو مرحلة جديدة تدرك فيها المملكة أن خصوصية منتجاتها الزراعية والتراثية والحرفية، هي رأس مال اقتصادي قابل للنمو والاستثمار، وأن حماية هذه الهوية خطوة أساسية لرفع قيمة المنتج السعودي في الأسواق المحلية والدولية.

وتزداد أهمية هذه الخطوة عند النظر إلى التجارب العالمية التي أثبتت أن المؤشرات الجغرافية ليست مجرد ملصق يزين عبوات المنتجات، بل قوة اقتصادية حقيقية.

وفي أوروبا، بنت فرنسا جزءًا كبيرًا من سمعتها الغذائية على منتجات مثل جبنة البارميزان وكامامبير ومنتجات بوردو الزراعية ذات الشهرة العالمية، التي ترتبط بتاريخ وممارسات إنتاج تقليدية محمية بالمؤشرات الجغرافية، وربطها بمناطق إنتاجها. وإيطاليا حوّلت زيت الزيتون والخل البلسمي ولحم البارما إلى علامات تجارية عالمية بفضل حماية منشئها. وفي آسيا، أصبح شاي دارجيلنغ الهندي، ولحم الواغيو الياباني، وبطيخ يوباري أمثلة لمنتجات ارتفعت قيمتها عالميًا بفضل حمايتها كمؤشرات جغرافية.

كما نجحت الصين وتركيا والمكسيك والبرازيل في تحويل منتجات تقليدية إلى علامات اقتصادية تضاعفت قيمتها بعد تنظيمها قانونيًا. وهو ما يبرهنه حجم التجارة العالمية للسلع ذات المؤشرات الجغرافية الذي يتجاوز 80 مليار دولار سنويًا، وارتفاع أسعار هذه المنتجات بنسبة تتراوح بين 20% و50% مقارنة بغيرها.

ومع هذا الحراك العالمي، تبدو المملكة اليوم مستعدة لدخول هذا المجال بقوة، إذ تمتلك ثروة من المنتجات التي ترتبط ببيئتها المتنوعة وجغرافيتها الثرية وثقافتها العميقة. تمور المدينة مثلًا تُعد من أشهر منتجات المنطقة العربية، ويبلغ إنتاجها السنوي أكثر من 1.5 مليون طن تُصدّر منها المملكة ما يزيد عن 300 ألف طن إلى أكثر من مئة دولة. أما البن الخولاني، الذي يمتد تاريخه لقرون طويلة في جبال جازان، فقد عاد ليحصد اهتمامًا عالميًا بفضل جودته، إذ بلغ إنتاجه نحو 800 طن سنويًا من أكثر من 2500 مزرعة، مع نمو متواصل بنسبة تصل إلى 20% سنويًا.

ويبرز كذلك الورد الطائفي الذي تنتج منه المنطقة أكثر من 300 مليون وردة سنويًا، تُستخرج منها زيوت عطرية تُعد من الأغلى عالميًا، في حين يشكل العسل الجبلي في عسير والباحة وزيت الزيتون في الجوف منتجات تمتلك ميزات طبيعية تجعلها منافسة للمنتجات الأوروبية المحمية منذ عقود.

ولا تقف هذه الثروة عند المنتجات الزراعية وحدها؛ فالحرف التقليدية السعودية مثل السدو النجدي والفخار الحساوي والسمن البقمي تحمل قيمة ثقافية واقتصادية كبيرة يمكن تعزيزها عبر حماية المؤشرات الجغرافية، كما فعلت دول مثل المغرب والهند واليونان التي استطاعت عبر هذا النظام إحياء صناعات تراثية ورفع دخل المناطق الريفية بنسبة وصلت في بعض التجارب إلى 80% خلال سنوات قليلة.

ومع نشر نظام المؤشرات الجغرافية في جريدة أم القرى، باتت المملكة تمتلك إطارًا قانونيًا يحمي أسماء منتجاتها ويمنع استغلالها خارج مناطقها الأصلية، ويمنح المنتج السعودي ميزة تفاوضية وأفضلية تسويقية في الأسواق العالمية. كما يفتح هذا النظام الباب أمام تحويل القرى الزراعية والمناطق الإنتاجية إلى وجهات تنموية وسياحية، خاصة أن التجارب الأوروبية تشير إلى أن أكثر من 10% من الحركة السياحية تعتمد على زيارة مناطق ترتبط بمنتجات محمية جغرافيًا.

اعتماد هذا النظام يعكس لحظة تاريخية تتوافق مع طموحات المملكة في بناء اقتصاد معرفي يقوم على الجودة والتميز والابتكار، ويعيد صياغة العلاقة بين المنتج ومكان إنتاجه. فالمملكة اليوم لا تكتفي بالحديث عن أصالة منتجاتها، بل تنتقل إلى مرحلة حمايتها وتعزيز قيمتها عالميًا وتحويلها إلى أصول اقتصادية تسهم في رفع الصادرات غير النفطية وتعزز حضور المملكة في الأسواق الدولية.

مع ما تمتلكه المملكة من منتجات ذات سمعة راسخة مثل تمور المدينة، البن الخولاني، الورد الطائفي، عسل السراة، زيت الجوف، رمان الباحة، وتين الدواسر فإن تطبيق نظام المؤشرات الجغرافية سيمنح هذه المنتجات فرصة التحول إلى علامات تجارية عالمية، قادرة على المنافسة وتسويق الهوية السعودية بأبهى صورها.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط