رؤية 2030

رؤية السعودية بلغت عشراً: خمسٌ "نفطية" عِجاف تتخللها تسعٌ "غير نفطية" سِمان

د. إحسان علي بوحليقة
د. إحسان علي بوحليقة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

الاقتصاد ليس ظاهرة مستقلة عن النسيج الاجتماعي، فهو ناتج عن تدافع المجتمع وحراكهِ، ولذا فما يُحتفى به هو أن الرؤية 2030 تحقق مستهدفاتها لتعزز وضع المواطن والمواطنة فهما في صدارة أولويات الحكومة، كما صرح بذلك سمو ولي العهد عند إعلان ميزانية العام 2026، وأن العام 2026 يمثل بداية "مرحلة تعظيم التأثير" في رؤية 2030.

أقر مجلس الوزراء السعودي الميزانية العامة لعام 2026 بإنفاق إجمالي يبلغ 1.313 تريليون ريال سعودي (حوالي 350 مليار دولار أمريكي)، وإيرادات متوقعة 1.147 تريليون ريال، مع عجز مالي يبلغ 165 مليار ريال (3.3% من الناتج المحلي الإجمالي)، مخصص منها 533 مليار ريال (41 بالمائة) للخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.

تدور رؤية 2030 حول تحسين حياة سكان المملكة العربية السعودية، حيث تعتبر ركيزة "مجتمع حيوي" الأساس الذي يُبنى عليه الاقتصاد والدولة الطموحة، وفقاً للوثيقة الرسمية للرؤية الصادرة في 2016 والتقارير السنوية لعام 2024. حيث تسعى مبادرات هذه الركيزة على بناء مجتمع يتمتع فيه الجميع بحياة غنية ومُرضية، من خلال تعزيز الصحة، الثقافة، الترفيه، الرياضة، والحج والعمرة، بالإضافة إلى زيادة متوسط العمر المتوقع وإدراج مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة عالمياً في جودة الحياة. وعند إطلاق ولي العهد لبرنامج جودة الحياة بهدف "تحسين نمط حياة الفرد والأسرة، وبناء مجتمع ينعم أفراده بإسلوب متوازن، من خلال تهيئة البيئة اللازمة، لدعم واستحداث خيارات جديدة تعزز مشاركة المواطن والمقيم في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية." ومن المؤشرات ذات الصلة بالبرنامج زيادة متوسط العمر المتوقع من 74.8 سنة في 2016 إلى 80 عاماً بحلول 2030 (ارتفع إلى 79.7 عاماً في العام 2025)، وارتفاع نسبة الممارسين للرياضة أسبوعياً من 13 بالمائة إلى أكثر من 20 بالمائة، وتجاوز عدد الزوار السياحيين 116 مليون سائح من داخل وخارج السعودية في 2025، بإنفاق بلغ 275 مليار ريال. وتبرز مساهمة هذا البرنامج في الحراك الاجتماعي-الاقتصادي أن القطاعات المستهدفة في هذا البرنامج ( ومنها الثقافة والسياحة والرياضة والترفيه والهوايات والتصميم الحضري) ساهمت في العام 2024 بقيمة 74.5 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي، وساهم بإيرادات غير نفطية قدرها 17.8 مليار ريال، واستقطب استثمارات خاصة قدرها 21.6 مليار ريال، ووفر نحو 370 ألف وظيفة، وفق التقرير الصادر عن برنامج جودة الحياة، تحقق ذلك عبر تنفيذ 173 مبادرة مولها ورعاها البرنامج.

ولا يخفى أن المجتمع الحيوي هو الأساس للازدهار الاقتصادي، فقد ساهم هذا الحراك المتمحور حول المواطن، في تحقيق فرق جوهري في انخفاض معدل البطالة إلى 7% في 2024 (متجاوزاً الهدف بسنوات)، وزيادة ملكية المنازل بين الأسر السعودية إلى أكثر من 60%، وارتفاع عدد المتطوعين إلى أكثر من مليون، بالإضافة إلى إدراج 8 مواقع تراثية سعودية في قائمة اليونسكو، الأمر الذي ساهم في تحويل المشهد الاجتماعي-الاقتصادي في السعودية، مع التركيز على تنويع الاقتصاد وتعزيز الشمول الاجتماعي، بأن ارتفعت مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 56% بحلول 2025 (مقابل حوالي 40% في 2016)، مع نمو الناتج المحلي الاجمالي 4.4 بالمائة للعام 2025، وارتفاع الإيرادات غير النفطية إلى أكثر من 40 بالمائة من إجمالي الإيرادات الحكومية من خلال إصلاحات ضريبية والخصخصة. اجتماعياً، ساهمت الرؤية في تمكين المواطنين وفي تقليل الفجوة، حيث تضاعفت مشاركة المرأة في قوة العمل من 17.4 بالمائة في 2017 إلى 34.5 بالمائة بحلول 2025، مع احتلال النساء نسبة متزايدة من المناصب الإدارية، مما عزز الدخل الأسري وتمكين المرأة مجتمعياً، وزادت تغطية الرعاية الصحية إلى 94.7 بالمائة في العام 2025، ما مكن من إضافة آلاف الأسرة الطبية وتحسين وصول السكان إلى الخدمات، وارتفعت مساهمة القطاع الصحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 بالمائة.

ولا استقرار اقتصادي بدون استدامة مالية، فكيف أضاف نمو الإيرادات غير النفطية الاستدامة المالية للميزانية السعودية؟ ساهم نمو الإيرادات غير النفطية بشكل كبير في تعزيز الاستدامة المالية للميزانية السعودية، من خلال تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية المتقلبة وتوفير مصادر دخل أكثر استقراراً واستدامة، وفقاً لتقارير وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، منذ إطلاق رؤية 2030 في 2016، ارتفعت الإيرادات غير النفطية من حوالي 166 مليار ريال (أقل من 30 بالمائة من اجمالي الانفاق) إلى 501 مليار ريال في العام 2025، مقابل 590 إيرادات نفطية لذات العام. مما مكن في تغطية نسبة أكبر من الإنفاق الجاري والتنموي دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطيات أو زيادة الدين العام بشكل مفرط، بل الالتزام بإستغلال الفسحة المالية التي تتمتع بها المملكة لتعزيز الانفاق الاستثماري لزيادة سعة الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص للاستثمار في المشاريع الانتاجية. هذا النمو، المدعوم بإعادة هيكلة المالية العامة وتويع مصادرها عبر تنمية الايرادات الضريبية مثل ضريبة القيمة المضافة (15 بالمائة) ورسوم أخرى (مثل رسوم الأراضي البيضاء)، ساعد في ضبط عجز الميزانية ليبقى في حياض 3 بالمائة إجمالاً، ودعم الاحتياطيات الحكومية عند مستويات آمنة (حوالي 390 مليار ريال نهاية 2025 وفق تصريح وزير المالية).

أدى هذا التنويع إلى تعزيز المرونة المالية أمام تقلبات أسعار النفط، حيث غطت الإيرادات غير النفطية جزءاً أكبر من الإنفاق التشغيلي (مثل الرواتب والخدمات)، مما سمح بتوجيه الإيرادات النفطية نحو الاستثمارات التنموية والمشاريع الكبرى ضمن رؤية 2030، كما بين تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 بأن تعزيز الإيرادات غير النفطية يقلل العجز الأولي غير النفطي بنسبة 8.4 بالمائة من الناتج غير النفطي بحلول 2029، ويحافظ على الدين العام عند مستويات منخفضة (حوالي 32.7% من الناتج في 2026). في ميزانية 2026، وهكذا، تساهم الإيرادات غير النفطية في نمو الإيرادات الكلية بنسبة تتجاوز 5 بالمائة، مما يدعم: (1) الاستمرار في اتباع سياسة إنفاق توسعية مستدامة (1.313 تريليون ريال إنفاق) دون زيادة كبيرة في العجز، (2) يحد تأثير مخاطر الصدمات الخارجية على الاقتصاد المحلي. مما يبرر القول بأن نمو الإيرادات غير النفطية يعد أحد أبرز مرتكزات برنامج الاستدامة المالية، فقد ساهم في إعادة هيكلة المالية العامة من اعتماد شبه تام على النفط إلى نموذج متعدد المصادر، مما يعزز استدامة الإنفاق -ارتكازاً على الإيرادات المتأتية من الأنشطة النفطية وغير النفطية- على التنمية والخدمات الاجتماعية وتعزيز سعة الاقتصاد عبر توسيع وتطوير البنية التحتية وممكنات التنويع الاقتصادي، حتى عندما تتراجع الإيرادات النفطية، وتظهر جدوى هذا النهج بان ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 30 بالمائة في العام 2016 إلى 50 بالمائة في العام 2025. ما يعني جدوى الاستمرار في الانفاق التوسعي ولاسيما الرأسمالي، أخذاً في الاعتبار أنه سينعكس تحسناً في قدرة التنافسية لاستقطاب الاستثمارات وتنمية الصادرات، بما يعني مزيداً من الأنشطة الاقتصادية التي تعزز النمو وبالتالي تزيد إيرادات الخزانة العامة. وعلى مستوى النتائج فقد جلب هذا النهج المزيد من محركات النمو للناتج المحلي الإجمالي حتى عند انكماش قطاع النفط (وتحديداً، حقق قطاع النفط نمواً سلبياً في خمس سنوات خلال الفترة 2016 2025، في حين انكمش القطاع غير النفطي في عام جائحة كوفيد 2020 فقط)، وساهم في خلق وظائف، وعزز الثقة الدولية باستقرار الاقتصاد المحلي وانعكس في استقرار أو رفع التصنيف السيادي للسعودية من قبل وكالات التصنيف العالمية الثلاث، ما يقلل تكاليف الاقتراض ويضمن استدامة مالية طويلة الأمد للأجيال القادمة، ويعزز ثقة المستثمرين محلياً وخارجياً.

وهكذا، فمرحلة "تعظيم الأثر" ستشهد تجويداً لما تحقق، ولن يخلو الأمر من تصدر مبادراتٍ للمشهد باعتبار تأثيرها شامل ومتسارع، ويأتي في المقدمة الذكاء الاصطناعي، الذي أخذ في التأثير على كامل المشهد الاجتماعي-الاقتصادي محلياً وخليجياً واقليمياً وعالمياً، وعلى القطاع النفطي والأنشطة غير النفطية على حدٍ سواء. ولعل الأمر يتطلب تفصيلاً في المبادرات التنفيذية وبياناً لتداخلها مع برامج تحقيق الرؤية على تنوعها، وما هي الأجندة الوطنية لتعميق استخدام وتطوير الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الحكومية والقطاع الخاص والقطاع الثالث، ومتابعة فصلية لتقدمها، شأنها شان ما يعلن من قبل وزارة المالية في كل ربع عن أحوال المالية العامة، وكذلك ما يقدمه صندوق الاستثمارات العامة عبر تقريره السنوي. وإذا كانت شركة "هيومين" ستكون "أرامكو" المستقبل، كما صرح وزير الاقتصاد السعودي، فذلك يعني إنبلاج قطاع جوهري التأثير سيجلب تغييرات كبيرة -اجتماعياً واقتصادياً وتقنياً- ما يتطلب شفافيةً وإحاطة ربعيةً، وتوعية باعتبار ان التأثير سيطال كل قاطن للمملكة وكل مستثمر وتاجر وصناعي وريادي على أرض المملكة، وأن وعي ومساهمة الجميع مطلوبة.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط